بقلم حسن النجارمقالات ورأى

بقلم حسن النجار.. المونوريل يعيد للمصريين حلم الحضارة الحديثة

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار في الشؤون السياسية الدولية

الكاتب الصحفي حسن النجار (4)
الكاتب الصحفي حسن النجار (4)

الوطن اليوم من مصر – بقلم حسن النجار – السبت – 9 مايو 2026 

بقلم حسن النجار 

لم يكن احتفاء المصريين بتشغيل مشروع مونوريل القاهرة الكبرى مجرد فرحة عابرة بوسيلة نقل جديدة، بل بدا وكأنه لحظة وجدانية استثنائية أعادت إحياء العلاقة القديمة بين المصري وفكرة “العمران”. فالمصري عبر تاريخه الطويل لم يرتبط فقط بالأرض، بل ارتبط أيضا بفكرة البناء والتشييد وصناعة الحضارة،

ولذلك لم يكن غريبا أن تتردد في الشوارع وعلى مواقع التواصل كلمات الأغنية الشهيرة: «اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني»، وكأن الذاكرة الشعبية قررت أن تستدعي رمزًا قديمًا للاحتفاء بمشهد حديث يحمل ملامح المستقبل.

وراء هذه العبارة الشعبية حكاية عميقة الجذور في التاريخ المصري؛ إذ يُقال إن المقصود بـ«الحلواني» هو جوهر الصقلي، قائد جيوش الدولة الفاطمية ومؤسس مدينة القاهرة،

والذي عمل في شبابه بصناعة الحلوى في صقلية قبل أن يتحول إلى أحد أبرز القادة العسكريين في عصره. وبعد أن شاهد المصريون جمال المدينة التي شيدها، التصقت الحكاية بالوجدان الشعبي، وتحولت العبارة إلى مثل مصري خالد يربط بين الإبداع والبناء والجمال.

بقلم حسن النجار.. المونوريل يعيد للمصريين حلم الحضارة الحديثة
بقلم حسن النجار.. المونوريل يعيد للمصريين حلم الحضارة الحديثة

ومن هنا بدا استدعاء الأغنية خلال الاحتفال بالمونوريل أمرًا يتجاوز الصدفة؛ فالأمر مرتبط بوعي جمعي يرى في كل مشروع حديث دليلاً على قدرة الدولة على استعادة صورتها الحضارية. المصري قد يختلف سياسيًا أو يشتكي اقتصاديًا،

لكنه يتفق دائمًا أمام مشهد يشعره بأن بلده تتحرك إلى الأمام، وأنها ما زالت قادرة على أن تشبه العواصم الكبرى.

لقد ارتبطت هيبة الدولة المصرية تاريخيًا بقدرتها على التشييد والتنظيم. فمن بناء الأهرامات إلى حفر قناة السويس، ومن إنشاء مترو الأنفاق إلى المدن الجديدة والكباري العملاقة، ظل البناء في الوعي الشعبي المصري مرادفًا للقوة والاستقرار.

ولهذا لم ينظر المصريون إلى المونوريل باعتباره مجرد قطار معلق، بل باعتباره صورة بصرية للمستقبل، ورسالة تقول إن القاهرة لا تريد أن تبقى فقط مدينة التاريخ، بل تسعى أيضًا لأن تكون مدينة الحداثة.

وما لفت الانتباه أن حالة التفاعل الشعبي مع المشروع جاءت عاطفية بصورة واضحة؛ فمشاهد التصوير والاحتفال وتداول الفيديوهات لم تكن مرتبطة بالمواصلات وحدها، بل بفكرة أعمق وهي أن مصر تدخل عصرًا جديدًا من التطور العمراني والتكنولوجي.

فالمصري بطبيعته يقدّس النظام والمدنية الحديثة، ويشعر بالفخر حين يرى بلده تمتلك ما تمتلكه الدول المتقدمة من وسائل حضارية متطورة.

الأكثر دلالة أن المصريين حين يحتفلون بالحداثة لا يتخلون عن روحهم الشعبية. لذلك اجتمع مشروع تكنولوجي متطور مثل المونوريل مع أغنية خرجت من قلب التراث الشعبي المصري. هذا المزج يكشف طبيعة الشخصية المصرية نفسها؛ شخصية تريد أن تعبر إلى المستقبل، لكنها ترفض أن تفقد ذاكرتها أو ملامحها الثقافية الأصيلة.

وفي العمق، فإن تقديس المصريين لفكرة الحضارة ليس أمرًا عابرًا، بل جزء من تكوينهم التاريخي الممتد لآلاف السنين. فالمصري نشأ داخل دولة مركزية عظيمة، ترى أن الهندسة والتنظيم والبناء ليست مجرد أدوات حياة، بل علامات قوة وهيبة واستقرار. لذلك فإن أي مشروع ضخم يعيد إحياء هذا الشعور الدفين بالفخر الوطني، حتى لو اختلفت الآراء لاحقًا حول التكلفة أو الأولويات الاقتصادية.

لهذا يمكن القول إن فرحة المصريين بالمونوريل لم تكن احتفالًا بوسيلة نقل فقط، بل كانت لحظة رمزية عبّر فيها الناس عن رغبتهم في اللحاق بالعصر، وعن إيمانهم بأن البناء ما زال اللغة الوطنية القادرة على توحيد المشاعر وصناعة الأمل.

فالمصريون، رغم كل التحديات، ما زالوا يملكون شهية مفتوحة للحضارة، وما زالوا يرون في كل مشروع جديد وعدًا بمستقبل يليق بتاريخهم الكبير.

حفظ الله مصر – وتحيا مصر بسواعد رجالها الاوفياء ورحم الله شهدائنا الابرار ؟ 

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى