كتب | محمود سعد
تتجه أنظار العالم إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث تنعقد واحدة من أكثر قمم حلف شمال الأطلسي (الناتو) حساسية في السنوات الأخيرة، وسط تباين واضح في مواقف الدول الأعضاء بشأن أولويات الأمن والدفاع. وبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرض رؤيته بشأن مستقبل التحالف، تحاول الدول الأوروبية الحفاظ على تماسك الناتو مع تجنب تحمل أعباء إضافية تتجاوز قدراتها.
وتأتي القمة في ظل تحديات دولية متصاعدة، أبرزها استمرار الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وتصاعد الشكوك حول طبيعة الدور الأمريكي داخل الحلف، ما يجعل الاجتماعات الحالية محطة مفصلية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
قمة تعقد وسط أجواء مشحونة
قال اللواء الدكتور سيد غنيم، الأستاذ الزائر في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأكاديمية العسكرية الملكية في بروكسل، إن القمة تنعقد في ظل أجواء متوترة نتيجة تصاعد الخلافات بين ترامب وعدد من الحلفاء الأوروبيين، سواء بسبب الموقف من الحرب مع إيران أو بسبب تهديداته المتكررة بإعادة النظر في التزام الولايات المتحدة بالحلف.
وأوضح، في تصريحات لـ«الوطن اليوم»، أن جزءًا كبيرًا من المناقشات سيتركز حول مطالبة ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي، خاصة مع تشكيكه في مدى التزام بعض الدول الأعضاء بالنسبة المستهدفة البالغة 5% من الناتج المحلي، إلى جانب مطالبته بدور أكبر للناتو في الأزمة الإيرانية، وزيادة مشتريات الدول الأعضاء من الأسلحة الأمريكية.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تتجه إلى تحويل الزيادة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى مكاسب مباشرة للصناعة العسكرية الأمريكية، مشيرًا إلى أن ترامب أصدر أمرًا تنفيذيًا تحت عنوان «استراتيجية نقل السلاح.. أمريكا أولًا»، بهدف تسريع مبيعات الأسلحة الأمريكية للحلفاء، بما يعكس توجهًا واضحًا لتعزيز مكانة الصناعات الدفاعية الأمريكية.
مكاسب قصيرة الأجل وتحولات بعيدة المدى
ويرى غنيم أن ترامب لا ينظر إلى الناتو باعتباره هدفًا في حد ذاته، وإنما كوسيلة لدعم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، في وقت تتحرك فيه أوروبا نحو تعزيز صناعاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الموردين الأمريكيين.
وأشار إلى أن أوروبا تخطط لأن تصل نسبة مشترياتها العسكرية من المصادر الأوروبية والأوكرانية إلى نحو 55% بحلول عام 2030، وهو ما قد يقلص تدريجيًا الاعتماد على الشركات الأمريكية.
وأضاف أن ترامب قد يخرج من القمة باعتباره المستفيد الأكبر سياسيًا على المدى القصير، بعدما ينسب لنفسه الفضل في رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، إلا أن المكاسب طويلة الأجل قد تصب في مصلحة أوروبا إذا نجحت في بناء قاعدة دفاعية أكثر استقلالًا، رغم استمرار اعتمادها على الولايات المتحدة في بعض القدرات العسكرية المتقدمة، مثل مقاتلات الجيل الخامس.
مسؤول سابق بالناتو: القمة تمثل نقطة تحول
من جانبه، أكد نيكولاس ويليامز، المسؤول السابق في حلف شمال الأطلسي، أن القمة الحالية تمثل نقطة تحول في تاريخ الحلف، معتبرًا أن أوروبا بدأت بالفعل خطوات جادة نحو تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع التقليدي عن القارة.
وأوضح، في تصريحات لـ«الوطن اليوم»، أن ترامب سيواصل الضغط على الأوروبيين لزيادة الإنفاق العسكري، وسيعتبر نفسه الرئيس الذي نجح في دفع أوروبا إلى تخصيص ميزانيات دفاعية أكبر، مشيرًا إلى أنه سيبدي أيضًا استياءه من ضعف الدعم الأوروبي للهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي، رغم حديثه المتكرر عن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، لا يزال يسعى إلى زيادة صادرات السلاح الأمريكي إلى الدول الأوروبية، مستفيدًا من الزيادات المرتقبة في الإنفاق الدفاعي.
وأشار ويليامز إلى أن الأوروبيين يعملون في المقابل على تطوير صناعاتهم الدفاعية، خاصة داخل الاتحاد الأوروبي، مع السعي إلى تقليل الاعتماد على المعدات الأمريكية وبناء آليات تضمن استقلالية أكبر في هذا المجال، وهو ما قد يفتح بابًا جديدًا للخلاف بين واشنطن وبروكسل.
خبيرة أوروبية: وحدة الناتو هي المستفيد الأكبر
من جانبها، أكدت الدكتورة كاميلا زاريتا، الأستاذة بجامعة وارسو والمتخصصة في قانون الاتحاد الأوروبي والدراسات الأمنية والشؤون الدولية، أن القمة تنعقد في لحظة مفصلية بالنسبة للتحالف، في ظل تعدد التحديات الأمنية التي تشمل الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، والتهديدات السيبرانية، والمنافسة الاستراتيجية مع الصين.
وقالت، في تصريحات لـ«المصري اليوم»، إن المستفيد الحقيقي من القمة يجب أن يكون حلف شمال الأطلسي نفسه، مشيرة إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في التهديدات الخارجية، وإنما أيضًا في احتمالات الانقسام الداخلي بين أعضائه.
وأضافت أن الولايات المتحدة ستظل شريكًا أساسيًا لا غنى عنه بالنسبة لأوروبا في مجالات الردع الاستراتيجي والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، إلا أن أوروبا مطالبة في الوقت نفسه بتطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز قدراتها الذاتية، بما يجعلها شريكًا أكثر قوة داخل الحلف، وليس منافسًا للولايات المتحدة.
واختتمت بالتأكيد على أن مستقبل الناتو لن يقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري، وإنما بقدرته على التنبؤ بالأزمات، ومنع التصعيد، وتعزيز الجاهزية والقدرة على الصمود في مواجهة التحديات المتزايدة.







