شؤون سياسية

سد النهضة يعمّق خلاف مصر وإثيوبيا حول الإدارة وقواعد تشغيل المياه المشتركة

كتبت | مي الكاشف

تصاعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، بعدما انتقل النقاش من قضية إنشاء السد إلى قواعد تشغيله وإدارته، ومستقبل المشروعات المائية في حوض النيل، وسط تباين واضح بين الرؤية المصرية التي تتمسك بالتنسيق والاتفاقات الملزمة، والموقف الإثيوبي الداعي إلى استئناف الحوار وتغيير لغة الخطاب بين دول الحوض.

وخلال نقاش حول تطورات ملف سد النهضة، عرض الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح، والكاتب والباحث السياسي عبد الشكور عبد الصمد، رؤيتين مختلفتين بشأن أسباب استمرار الأزمة ومسؤولية تعثر المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا.

الإدارة الأحادية محور الخلاف

قال بشير عبد الفتاح إن سد النهضة اكتمل في سبتمبر 2025 وأصبح قيد التشغيل، مشيرًا إلى أن جوهر الخلاف الراهن يتمثل في استمرار إثيوبيا في إدارة السد بصورة منفردة، من دون وجود آلية ملزمة للتنسيق مع مصر والسودان.

وأوضح أن التعامل مع الأنهار الدولية تحكمه قواعد وأعراف تنظم استخدام الموارد المائية المشتركة، مؤكدًا أن سيادة الدول على هذه الموارد لا تعني اتخاذ قرارات منفردة من شأنها التأثير على دول المصب.

وانتقد عبد الفتاح ما وصفه بالطروحات الإثيوبية المتعلقة بإنشاء ثلاثة سدود جديدة، أو إمكانية تسعير مياه النيل، إلى جانب الحديث عن الحصول على تعويضات مقابل المياه المتدفقة من الهضبة الإثيوبية، معتبرًا أن مثل هذه التصريحات تزيد من حدة التوتر بشأن قضية الأمن المائي المصري.

وأشار إلى أن حصة مصر السنوية من المياه تبلغ نحو 55 مليار متر مكعب، في حين تتجاوز احتياجاتها المائية 127 مليار متر مكعب، موضحًا أن نصيب الفرد يقترب من 472 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو مستوى يقل عن حد الفقر المائي الذي يقدره بنحو 500 متر مكعب للفرد.

الخلاف يتجاوز السد

وأضاف عبد الفتاح أن أزمة سد النهضة لم تعد مرتبطة بالإنشاءات فقط، وإنما امتدت إلى ما يعتبره محاولة لتسييس ملف المياه واستخدامه كورقة ضغط في العلاقات بين البلدين.

وربط الباحث بين ملف مياه النيل وبعض التحركات الإثيوبية المرتبطة بالحصول على منفذ بحري في منطقة البحر الأحمر، معتبرًا أن تداخل الملفات يزيد من تعقيدات العلاقة بين القاهرة وأديس أبابا.

وشدد على أن مصر لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية والاستفادة من مواردها، لكنها تتمسك في الوقت نفسه بعدم الإضرار بأمنها المائي، مؤكدًا أن القاهرة سبق أن دعمت مشروعات تنموية ومائية في عدد من الدول الأفريقية.

وبشأن المفاوضات، أشار عبد الفتاح إلى أن مصر أعلنت تجميدها في ديسمبر 2023، بعد سنوات من المباحثات التي لم تفضِ، وفق رؤيته، إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل وإدارة السد.

دعوات لتغيير لغة الحوار

في المقابل، دعا عبد الشكور عبد الصمد إلى إعادة صياغة الخطاب المتبادل بين مصر وإثيوبيا، مؤكدًا أهمية بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون بين دول حوض النيل.

وأوضح أن الواقع الجغرافي لمصر وإثيوبيا والسودان لن يتغير، وأن نهر النيل سيظل موردًا مشتركًا، ما يجعل التفاهم والحوار بين دول الحوض عنصرًا أساسيًا لمعالجة الخلافات القائمة.

ورفض عبد الصمد تحميل إثيوبيا وحدها مسؤولية تعثر المفاوضات، نافيًا أن يكون هدفها احتكار مياه النيل أو فرض إرادتها على دول المصب، كما أشار إلى استمرار الدعوات الإثيوبية للعودة إلى طاولة التفاوض.

مقترحات لمشروعات مائية مشتركة

وأشار عبد الصمد إلى وجود مقترحات لمشروعات مائية مشتركة في دول حوض النيل، موضحًا أن خبراء من دول الحوض ناقشوا عشرات المشروعات التي يمكن أن تدعم التعاون الإقليمي في مجال المياه.

كما تحدث عن عرض سابق يتعلق بالمشاركة في تمويل وتشغيل وإدارة سد النهضة، وفق نسب أشار إلى أنها كانت 50% لإثيوبيا و30% للسودان و20% لمصر، موضحًا أن العرض لم يحظَ بالموافقة المصرية.

وأضاف أن إثيوبيا طرحت كذلك مشاركة مصر في مشروعات سدود جديدة، في إطار رؤية تستند إلى التعاون بين دول حوض النيل.

استئناف التفاوض مرهون بالثقة

وبين الرؤية المصرية التي تركز على ضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة لتشغيل وإدارة الموارد المائية المشتركة، والرؤية الإثيوبية التي تدعو إلى الحوار والشراكة، تظل قضية سد النهضة واحدة من أبرز الملفات العالقة في العلاقات المصرية الإثيوبية.

ويظل استئناف المفاوضات مرتبطًا بإمكانية بناء الثقة بين الأطراف، والتوصل إلى قواعد واضحة تحافظ على مصالح دول المنبع والمصب، وتضمن إدارة الموارد المائية المشتركة بصورة تقلل من مخاطر النزاع وتفتح المجال أمام التعاون الإقليمي.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى