بقلم حسن النجار : الصمت في لحظات الوجع اختيار كرامة
المفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسي والمتخصص في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الإخبارية – 10 فبراير 2026
بقلم | حسن النجار
في لحظات الوجع الحقيقي، لا يكون الصمت عجزًا، بل اختيارًا صعبًا موجعًا، لكنه نابع من مكان أعمق بكثير من مجرد القدرة على النطق: الكرامة.ليس كل من يتألم يشتكي،
وليس كل من يصمت راضيًا. أحيانًا نختار الصمت لأننا نعرف أن الكلام لن يغير شيئًا، وأن الشكوى في غير موضعها تزيد الجرح عمقًا بدلاً من أن تخففه. حين تشعر أنك أصبحت خارج الحسابات،
وأن من كنت تعول عليهم لم يعودوا يسألون، يمر بخاطرك أن تتكلم، أن تسأل، أن تعاتب. لكن شيئًا داخلك يمنعك: صوت خافت يقول لك: لا تطلب مكانًا لم يُمنح لك باختيارهم، ولا تشرح وجعًا لمن لم يسأل عنه.
الكرامة هنا ليست كبرياء فارغًا، بل وعي عميق. وعي بأن بعض الأبواب إن لم تُفتح لك من تلقاء نفسها، فالدخول منها لن يمنحك الطمأنينة. وبعض العلاقات إن احتاجت منك أن تطلب،
فهي في الأصل لم تكن قوية. تختار الصمت لا لأنك لا تملك ما تقوله، بل لأنك تملك الكثير جدًا. تختار ألا تقول: لماذا تغيرتم؟ ولا تسأل: لماذا لم أعد مهمًا؟ لأنك تعرف أن الإجابات -إن جاءت- ستكون باردة، متأخرة، أو ناقصة.
وفي هذا الصمت يدور صراع داخلي قاسٍ، لا يسمعه أحد، ولا تظهر آثاره على الملامح، بل تظهر على الروح ببطء. القلب يريد أن يبوح، أن يفرغ ما فيه، أن يقول: لقد آلمتموني.
والعقل يقف حارسًا صارمًا يذكر بأن بعض الكلام لا يُصلح، وبعض العتاب لا يُجدي. وبينهما تقف الكرامة تمسك بزمام النفس وتقول بهدوء حاسم: اصمت؛ ليس كل ما يُشعَر به يُقال.
تتدافع الكلمات في الداخل تبحث عن مخرج، ثم تعود أدراجها مثقلة متعبة، تحمل أسئلة كثيرة بلا أجوبة، وعتبًا مؤجلاً لا يعرف طريقه إلى النطق.
تشعر أحيانًا أن هذا الصمت أثقل من الكلام، وأن حمله يحتاج قوة لا يراها أحد. لكنك رغم ذلك تواصل الصمت، لا لأنك لا تستطيع الكلام، بل لأنك اخترت أن تحمي ما تبقى منك.
فالقلب يريد أن يبوح، والعقل يحذر، والكرامة تمسك بزمام الأمر. وهنا تجلس وحدك، تحمل كلامًا كثيرًا لم يُقل، وعتبًا لم يُرسل، وأسئلة بلا عناوين. أحيانًا تشعر أن هذا الصمت يثقلك كأنك تحمل حملًا لا يراه أحد.
تتمنى لو كان بإمكانك أن تقول كل شيء ثم تمضي. لكنك تعلم في قرارة نفسك أن بعض الكلام إن خرج لا يعود، وأن بعض العتاب إن قُدِّم لمن لا يقدّره يتحول إلى إهانة للنفس.
فتتعلم أن تحمي نفسك بالصمت. أن تنسحب دون ضجيج. أن تترك دون أن تشرح. ليس لأنك قاسٍ، بل لأنك تعبت من التبرير. الكرامة هنا ليست قسوة، بل رحمة. رحمة بنفسك من أن تضعها في موضع انتظار أو رجاء لا يليق بها. رحمة من أن تمد يدك لمن لا يمد يده إليك.
ومع الوقت تفهم أن الصمت ليس هروبًا، بل ترتيب داخلي. تبدأ فيه بإعادة تعريف نفسك، وحدودك، وما تقبله وما لا تقبله. تتعلم أن بعض العلاقات لا تستحق نقاشًا، وبعض الخسارات لا تحتاج تفسيرًا.
قد يراك الآخرون هادئًا متماسكًا، ولا يعلمون أن داخلك عاصفة. ولا بأس؛ فليس كل وجع يجب أن يُعرض، ولا كل حزن يحتاج شاهدًا.
وفي النهاية تصل إلى قناعة بسيطة لكنها ثقيلة المعنى: أن الكرامة أحيانًا تعني أن تبتعد، وأن تحفظ ما تبقى من نفسك، وأن تختار السلام على حساب الكلام.
وحين تفعل ذلك قد تشعر بالوحدة قليلاً، لكنها وحدة نظيفة، لا يرافقها ندم، ولا يثقلها سؤال: لماذا قلت؟ ولماذا طلبت؟ هناك، في هذا الصمت الناضج، تبدأ أولى خطوات الشفاء.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟







