حسن النجار يكتب | التعليم والتربية معركة الهوية ومستقبل الأجيال في مصر
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون الدولية
بقلم – حسن النجار
في الآونة الأخيرة، شهد المجتمع المصري سلسلة من الوقائع المثيرة للقلق، أعادت طرح سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل ما نعيشه اليوم أزمة تعليم، أم أزمة تربية، أم أننا أمام خلل أعمق يمس منظومة القيم بأكملها؟
بدأ الأمر بمشهد صادم لفتاة دهست بائعة شاي بسيارتها، ثم وقفت تبتسم في برود وكأن شيئًا لم يحدث، في صورة جسدت غياب الإحساس بالمسؤولية والرحمة.
ثم جاءت مشاهد تخريب بعض الجماهير لمرافق الاستاد الرياضي بالعاصمة الإدارية الجديدة أثناء متابعة مباريات كأس العالم، حيث تحطمت المقاعد والممتلكات العامة على أيدي شباب تعاملوا مع ما وفرته الدولة لهم وكأنه لا يعنيهم.
وسط هذه المشاهد، عاد السؤال يطرق أبواب الجميع: هل المشكلة في التعليم، أم في التربية؟
ولم يكد الجدل يهدأ حتى اشتعلت أزمة جديدة بين أولياء أمور طلاب المدارس الدولية ووزارة التربية والتعليم، بعدما صدر قرار باشتراط حصول الطالب على 70% في مادة التربية الدينية للنجاح، بينما يكتفي بـ50% في باقي المواد الدراسية.
القرار أثار حالة واسعة من الجدل، خاصة بين الأسر التي تتحمل أعباء مالية كبيرة لتعليم أبنائها في المدارس الدولية، وطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المنظومة التعليمية: هل الهدف الحقيقي هو صناعة طالب متعلم يمتلك المعرفة والقيم، أم مجرد طالب يحصل على شهادة وينتقل من مرحلة إلى أخرى؟
ومن الظلم اختزال أولياء أمور المدارس الدولية في صورة القادرين فقط على الإنفاق أو الباحثين عن المظاهر الاجتماعية، فهناك آلاف الأسر التي تقتطع من احتياجاتها الأساسية، وتضحي بالكثير من أجل توفير تعليم أفضل لأبنائها، في ظل التحديات التي تواجه التعليم الحكومي.
الحقيقة أن الأزمة معقدة، وكل طرف يرى أنه يدافع عن مصلحة الطلاب، بينما يبقى الطالب نفسه هو الطرف الأكثر تأثرًا.
أتذكر سنوات الدراسة في إحدى المدارس الإنجليزية بالقاهرة، حيث كانت اللغة العربية، والتربية الدينية، والتاريخ، والجغرافيا تحظى باهتمام كبير،
وكانت المدرسة تؤمن بأن التربية تسبق التعليم، وأن بناء الإنسان أهم من مجرد نجاحه في الامتحانات. وما زلت أذكر بكل الامتنان معلمي اللغة العربية الذين زرعوا فينا حب لغتنا وهويتنا.

وعلى مدار السنوات، حاول وزراء التعليم المتعاقبون إصلاح المنظومة، لكنهم اصطدموا بعقبات عديدة، أبرزها مصالح بعض أصحاب المدارس الخاصة، وسناتر الدروس الخصوصية، ومقاومة التغيير من بعض أولياء الأمور، فضلًا عن التأثير المتزايد لما يُعرف بـ”جروبات الماميز” التي أصبحت لاعبًا مؤثرًا في المشهد التعليمي.
ولا يمكن إنكار أن وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور طارق شوقي امتلك رؤية طموحة تستهدف بناء طالب قادر على التفكير، وليس مجرد طالب يسعى للحصول على درجات، إلا أن هذه الرؤية اصطدمت بثقافة اجتماعية لا تزال تربط النجاح بالورقة والشهادة أكثر من ارتباطها بالعلم الحقيقي.
واليوم، لا أختلف مع الوزير محمد عبداللطيف في أهمية إعادة الاعتبار للغة العربية والتربية الدينية، فالعربية ليست مجرد مادة دراسية،
بل هي وعاء الهوية والثقافة والتاريخ، كما أن التربية الدينية تمثل ركيزة أساسية في بناء الأخلاق، لكن نجاح أي إصلاح لا يرتبط بصحة الفكرة وحدها، بل أيضًا بحسن توقيت التنفيذ وآليات التطبيق.
فلا يمكن مطالبة طالب اعتاد نظامًا تعليميًا معينًا لسنوات، بالانتقال المفاجئ إلى نظام جديد دون إعداد مسبق، ودون تطوير شامل للمناهج وأساليب التدريس.
والمشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في نسب النجاح، بل في المحتوى التعليمي ذاته. فما زالت بعض المناهج تعتمد على الحفظ والتلقين، بينما يعيش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، الأمر الذي يفرض إعادة بناء المناهج بما يتناسب مع متطلبات العصر، ويجعل الطالب قادرًا على التفكير والإبداع، لا مجرد استرجاع المعلومات.
ومن المؤسف أن كثيرًا من خريجي الجامعات يعجزون عن كتابة فقرة سليمة باللغة العربية، بل إن بعض الأطفال باتوا يقرأون القرآن الكريم بالحروف الإنجليزية لعدم تمكنهم من قراءة العربية، وهو مشهد يدعو إلى القلق على مستقبل الهوية الثقافية للأجيال القادمة.
كما أن هناك ظاهرة اجتماعية خطيرة تتمثل في اعتقاد بعض الأسر أن تحدث أبنائهم باللغة العربية داخل الأندية أو المدارس أمر يدعو للخجل، بينما يُنظر إلى التحدث بالإنجليزية باعتباره مظهرًا للرقي، رغم أن الأمم المتقدمة تفخر بلغاتها الوطنية قبل أي شيء آخر.
وإذا كنا نريد إصلاح التعليم فعلًا، فعلينا أن ندرك أن التربية مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والمجتمع بأكمله. فلا يمكن أن نبني إنسانًا متوازنًا إذا غابت القيم، أو تحولت المدرسة إلى مجرد مكان يمنح الشهادات.
لقد آن الأوان لأن تتحول المواجهة بين الوزارة وأولياء الأمور إلى شراكة حقيقية، تضع مصلحة الطالب فوق أي اعتبارات أخرى، وتعمل على إعداد خطة إصلاح تبدأ من مرحلة رياض الأطفال، وتستمر حتى التعليم الجامعي، لتخريج أجيال تجمع بين العلم، والهوية، والانتماء.
فالأمم لا تُبنى بالشهادات وحدها، بل تُبنى بالعقول الواعية، والقيم الراسخة، والإنسان القادر على احترام نفسه ووطنه.
إن مستقبل مصر يبدأ من المدرسة، لكنه لا يكتمل إلا بالتربية، فإذا أحسنا غرس القيم، سنحصد أجيالًا قادرة على بناء الوطن، أما إذا زرعنا الإهمال، فلن نجني إلا مزيدًا من الأزمات.
حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وحفظ الله الجيش المصري وحم الله شهدائنا الابرار ”







