بقلم حسن النجار

حسن النجار يكتب : كأس العالم حين ينتصر الأمل على الواقع

المفكر السياسي والكاتب الصحفي حسن النجار و رئيس تحرير الوطن اليوم

بقلم – حسن النجار – 14 يونيو 2026 

تمر أربع سنوات كفيلة بأن يتغير خلالها الكثير. تتبدل الحكومات، وتتغير الأحوال الاقتصادية، ويرتفع مستوى المعيشة أو يتراجع، ويكبر الأطفال، ويرحل أحباب، وقد تنقلب حياة إنسان كاملة رأسًا على عقب بين وظيفة جديدة أو زواج أو طلاق أو سفر أو مرض.

خلال هذه السنوات ينشغل الناس بتفاصيل حياتهم اليومية، ويلاحقون أخبار السياسة والاقتصاد والحروب والأزمات المتلاحقة. ومع ذلك، ما إن يعود كأس العالم حتى يبدو وكأن العالم كله يمنحه مساحة استثنائية من الاهتمام، فيفرض حضوره على الشاشات والمقاهي والأحاديث اليومية، ويستحوذ على انتباه الملايين رغم أن العالم يعج بقضايا تبدو أكثر أهمية من مجرد مباراة كرة قدم.

أما أنا، فلم أكن يومًا متعصبا للعبة كرة القدم أو المتابعين المتحمسين لها رغم كنت لاعبا رياضيا مميز في الملاعب يوما ما في ملاعب الزمن الجميل وكنت احب الرياضة . ولكني الان لا أجد متعة حقيقية في مشاهدة المباريات، وأتعجب أحيانًا من حجم الشغف الذي قد يصل لدى البعض إلى حد الهوس.

كما يثير دهشتي ذلك السخاء الكبير الذي يدفع كثيرين إلى إنفاق أو التبرع بمبالغ طائلة للأندية الرياضية، بينما يعيش ملايين البشر حول العالم تحت وطأة الفقر والاحتياج.

لكن رغم ذلك، تبقى هناك حقيقة يصعب تجاهلها؛ وهي القدرة الاستثنائية لهذه اللعبة على التأثير في البشر. فما السر في رياضة تبدو في ظاهرها مجرد اثنين وعشرين لاعبًا يطاردون كرة فوق مساحة من العشب؟ كيف تستطيع أن تدفع غرباء لا يعرف بعضهم بعضًا إلى العناق في الشوارع بعد هدف قاتل؟

وكيف تجعل دموع الفرح أو الحزن تنهمر بسبب نتيجة مباراة؟ وكيف تنجح، ولو لساعات قليلة، في إبعاد هموم الحياة والأخبار الثقيلة عن الواجهة، ليصبح السؤال الأكثر أهمية لدى الملايين: هل سنفوز؟

في تقديري، فإن ما يتابعه الناس في كأس العالم لا يقتصر على كرة القدم وحدها، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. إنهم يتابعون الحلم الكامن خلف المنافسة، والأمل المختبئ داخل كل فرصة، والإيمان بأن المستحيل قد يتحول إلى حقيقة في لحظة واحدة.

ذلك هو الشعور نفسه الذي يرافق كل إنسان ينتظر نجاحًا طال انتظاره، أو انفراجة بعد ضيق، أو تحقيق أمنية يراها بعيدة المنال. فالمونديال، في جوهره، ليس مجرد بطولة رياضية، بل قصة إنسانية متجددة تمنح الناس فرصة لتجديد إيمانهم بإمكانية حدوث ما لم يكن متوقعًا.

ولعل هذه هي القيمة الحقيقية لكأس العالم؛ قدرته على منح البشر جرعة من الأمل وسط عالم يزداد تعقيدًا وضغوطًا يومًا بعد يوم. ففي خضم الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية والهموم الشخصية، يجد الملايين مساحة صغيرة للحلم، ومساحة أكبر للتفاؤل.

وقد يبدو الأمل أمرًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة أحد أعظم ما يملكه الإنسان. فهو ليس مجرد رغبة في تحقيق هدف أو أمنية،

بل غريزة بقاء تمنحه القدرة على الاستمرار رغم الصعوبات. ولهذا يظل الإنسان دائم البحث عن نافذة يطل منها على مستقبل أفضل، وعن قصة تقنعه بأن المستحيل ليس مستحيلًا دائمًا.

حسن النجار يكتب كأس العالم حين ينتصر الأمل على الواقع
حسن النجار يكتب كأس العالم حين ينتصر الأمل على الواقع

ويأتي كأس العالم كل أربع سنوات ليقدم تلك القصة في أبهى صورها؛ قصة مليئة بالمفاجآت والانتصارات والانكسارات والأحلام التي تولد من جديد. لحظات يشعر خلالها الإنسان بأنه جزء من مشهد أكبر من ذاته، ومن حلم جماعي يتقاسمه مع ملايين البشر حول العالم.

وربما لهذا السبب تتابع الجماهير المباريات بشغف، وتشتري تذاكر الحلم رغم أنها لا تملك أي ضمان لتحقيقه، وتنتظر عودة المونديال مرة بعد أخرى، فقط لتسمع في أعماقها الرسالة ذاتها التي لا تفقد بريقها أبدًا:

لا تيأس… فالأحلام الكبرى لا تموت، وما زال الأمل ممكنًا.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى