حسن النجار يكتب: مصر ودورها في إعادة بناء النظام الدولي
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار يكتب: مصر والأمم المتحدة.. معركة إصلاح النظام الدولي
الشؤون السياسية
يصعب اختزال علاقة مصر بالأمم المتحدة في عدد مرات عضويتها بمجلس الأمن، فالحضور المصري داخل المنظمة الدولية يمتد إلى لحظة تأسيس النظام الدولي الحديث، عندما شاركت القاهرة في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 الذي أقر ميثاق الأمم المتحدة.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تكن مصر مجرد دولة عضو في مؤسسة دولية، وإنما دولة تحمل معها قضايا العالم العربي وأفريقيا والدول النامية، وتشارك في النقاشات المتعلقة بالاستقلال والسيادة والتنمية والسلام والأمن الدولي.
وتظل أزمة السويس عام 1956 إحدى أبرز المحطات التي كشفت حدود النظام الدولي، عندما اصطدمت آليات مجلس الأمن بتوازنات القوى الكبرى، بينما برزت الجمعية العامة كمساحة سياسية للتعامل مع الأزمة. ومن هنا ظهر درس لا يزال حاضرًا حتى اليوم: الشرعية الدولية وحدها لا تكفي إذا لم تمتلك المؤسسات القدرة على تنفيذ قراراتها.
كما أن الدور المصري لم يتوقف عند العمل الدبلوماسي، بل امتد إلى المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب الحضور التاريخي في حركة عدم الانحياز ومجموعة الـ77، بما عكس اهتمام القاهرة بقضايا الدول النامية وإصلاح بنية النظام الدولي.
ومع تغير العالم، أصبحت قواعد عام 1945 أمام اختبار حقيقي. فالنظام الدولي اليوم يضم قوى ومراكز تأثير متعددة، بينما لا يزال مجلس الأمن يعمل وفق هيكل يمنح خمس دول دائمة العضوية حق النقض، وهو ما جعل إصلاح المجلس أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل الأمم المتحدة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة لأفريقيا، التي ترى دولها أن تمثيل القارة داخل دوائر صنع القرار الدولي لا يتناسب مع حجمها ومصالحها ودورها في النظام العالمي. وقد أكد ميثاق المستقبل الذي اعتمدته الدول الأعضاء في 2024 الحاجة إلى مجلس أمن أكثر تمثيلًا وشمولًا وشفافية وفعالية، مع وضع معالجة الظلم التاريخي الواقع على أفريقيا ضمن أولويات الإصلاح.
لكن إصلاح الأمم المتحدة لا ينبغي أن يتوقف عند زيادة عدد المقاعد، لأن المشكلة أعمق من التمثيل؛ إنها تتعلق بالعلاقة بين التمثيل والقرار والفيتو والتنفيذ والمساءلة.
وهنا يمكن لمصر أن تلعب دورًا مهمًا بحكم موقعها العربي والأفريقي، وخبرتها التاريخية في العمل متعدد الأطراف، ومشاركتها في مجلس الأمن وحفظ السلام. فالمطلوب ليس فقط الدفاع عن زيادة التمثيل الأفريقي، وإنما طرح رؤية متكاملة تسعى إلى تحقيق التوازن بين عدالة التمثيل وفاعلية القرار.
والتحدي الأكبر أن مفهوم الأمن نفسه تغير. فالعالم لم يعد يواجه الحروب التقليدية فقط، وإنما أزمات مرتبطة بالطاقة والمياه والغذاء والديون وسلاسل الإمداد والمناخ والهجرة والأوبئة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
ومن ثم، فإن مستقبل الأمم المتحدة لن يتحدد فقط بقدرتها على إصدار القرارات، وإنما بقدرتها على تنفيذها وإدارة الأزمات الجديدة التي تتجاوز الحدود التقليدية للدول.
أما الحديث عن إنشاء منظمة دولية بديلة، فلا يزال في إطار السيناريوهات المستقبلية وليس مشروعًا دوليًا قائمًا. وفي حال استمرار تعثر الإصلاح، قد يتجه العالم بصورة أكبر نحو تعدد مراكز القرار، مع توسع أدوار التكتلات الإقليمية والاقتصادية والتحالفات الدولية.
وهنا تكمن المفارقة: قد يصبح العالم أكثر تعددية، لكنه في الوقت نفسه أكثر انقسامًا من الناحية المؤسسية.
لذلك فإن معركة مصر المقبلة داخل النظام الدولي ليست معركة على مقعد، وإنما معركة من أجل منظومة أكثر عدالة وتمثيلًا وفاعلية وقدرة على تنفيذ قراراتها.
ومن واقع تاريخها داخل الأمم المتحدة، تستطيع القاهرة أن تنتقل من مجرد الحفاظ على حضورها داخل المنظومة إلى المشاركة في صياغة مستقبلها، بما يعزز التوازن بين القوة والشرعية، وبين الأمن والتنمية، وبين حق الدول في التمثيل وقدرة المؤسسات الدولية على اتخاذ القرار.
المعركة الحقيقية ليست على مقعد داخل الأمم المتحدة، وإنما على شكل النظام الدولي الذي سيحكم العالم في العقود المقبلة.

كتب | حسن النجار
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي
رئيس تحرير الوطن اليوم







