حسن النجار يكتببقلم حسن النجار

حسن النجار يكتب: نتنياهو يتحدث عن الأبرياء.. وغزة شاهدة

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

بقلم | حسن النجار 

حين يرتدي بنيامين نتنياهو ثياب الواعظ، ويتحدث عن حرمة دم الأبرياء ورفض استهداف المدنيين، يصبح من الضروري التوقف أمام كلماته، لا من باب التسليم بما يقول، وإنما من باب مقارنتها بما هو موثق من وقائع وسياسات خلال الحرب في غزة.

ففي الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، استعاد نتنياهو خطابًا يدين قتل المدنيين، مؤكدًا أن الإرهاب لا يمكن تبريره، وأن استهداف الأبرياء لا تمنحه أي مظلمة أو قضية مشروعية.

وهو مبدأ لا يختلف عليه عاقل؛ فقتل المدنيين واستهداف الأبرياء مرفوض، أيًا كان مرتكبه، وأيًا كانت هويته أو جنسيته أو دينه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن قراءة هذه الكلمات في ظل ما شهدته غزة منذ أكتوبر 2023 من سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، وما رافق الحرب من دمار واسع وأزمة إنسانية غير مسبوقة؟

وفق أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة المنشورة في 17 سبتمبر 2026، بلغ عدد القتلى منذ بدء الحرب 73,821 فلسطينيًا، فيما تجاوز عدد المصابين 174,897 شخصًا، مع استمرار وجود ضحايا تحت الأنقاض وفي مناطق يصعب الوصول إليها.

حسن النجار يكتب نتنياهو يتحدث عن الأبرياء.. وغزة شاهدة
حسن النجار يكتب نتنياهو يتحدث عن الأبرياء.. وغزة شاهدة

كما أفادت تقارير حديثة بأن عدد القتلى الفلسطينيين منذ بداية الحرب اقترب من 74 ألفًا، بينما تجاوز عدد المصابين 174 ألفًا، وسط دمار واسع طال البنية التحتية في القطاع.

وهنا تبدو المفارقة السياسية والأخلاقية واضحة: الحديث عن رفض قتل الأبرياء يجب ألا يكون انتقائيًا، ولا ينبغي أن يتغير معيار إدانة قتل المدنيين باختلاف هوية الضحايا أو هوية مرتكبي الأفعال.

أما المقارنة بين نتنياهو وزعماء التنظيمات الإرهابية، فينبغي التعامل معها باعتبارها توصيفًا سياسيًا لا حكمًا قانونيًا؛ فنتنياهو رئيس حكومة دولة، بينما التنظيمات الإرهابية كيانات غير حكومية. ومع ذلك، فإن القانون الدولي لا يمنح المسؤولين الحكوميين حصانة من المساءلة عن الجرائم الدولية إذا توافرت الأدلة والمسؤولية الجنائية وفقًا للقانون.

وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو، وقالت المحكمة إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليته عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محددة،

من بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين، والقتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى. وتظل هذه اتهامات قضائية وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة.

أما هجمات 11 سبتمبر 2001، فقد أسفرت عن مقتل 2,977 شخصًا، وفق الإعلان الأمريكي الرسمي بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات.

وهنا لا ينبغي استخدام أرقام الضحايا لمنافسة المآسي أو للمفاضلة بين دماء المدنيين؛ فالقتل الجماعي يظل جريمة ومأساة بصرف النظر عن عدد الضحايا أو هوية مرتكبيها.

كما أن بيانات مؤشر الإرهاب العالمي لا تدعم صياغة أن “نتنياهو ارتكب من الجرائم ما يفوق كل الإرهاب في العالم خلال عشر سنوات”،

لأنها تقيس ظاهرة الإرهاب وفق منهجية محددة ولا تصلح للمقارنة المباشرة بين حصيلة الحرب في غزة وإجمالي ضحايا الإرهاب عالميًا.

ويشير مؤشر الإرهاب العالمي 2026 إلى أن عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا بلغ 5,582 وفاة خلال عام 2025 وحده، بعد أن كان 7,714 في 2024.

لكن بعيدًا عن الحسابات الرقمية، تبقى القضية الأهم: هل يمكن أن تكون إدانة قتل المدنيين مبدأً ثابتًا، أم أنها تتحول إلى خطاب سياسي يتغير وفق المصالح والاصطفافات؟

إن دماء المدنيين في نيويورك وواشنطن عام 2001 لها حرمتها، كما أن دماء المدنيين في غزة لها الحرمة ذاتها. ولا يمكن أن يكون رفض الإرهاب مبدأً عندما يكون الضحايا من طرف، ثم يصبح موضع تبرير أو صمت عندما يكون الضحايا من طرف آخر.

المعيار الحقيقي يجب أن يكون واحدًا: حماية المدنيين، احترام القانون الدولي، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب الجرائم، دون انتقائية أو ازدواجية.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المجتمع الدولي والمؤسسات القضائية: من يحاسب المسؤولين عندما تتحول حماية المدنيين من مبدأ إنساني ثابت إلى مجرد خطاب سياسي؟

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى