حسن النجار : يكتب – ارفع رأسك فوق.. أنت صحفي.. فمهنتك رسالة وضمير وطن
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار – يكتب
«ارفع رأسك فوق.. أنت صحفي».. ليست دعوة إلى الغرور، ولا شعارًا للتعالي على الآخرين، ولا انتقاصًا من قيمة أي مهنة أو أصحابها، وإنما هي دعوة صريحة إلى أن يعتز الصحفي بمهنته، ويؤمن بقيمتها،
ويدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ما دام يؤدي رسالته وفق أصول المهنة وقواعدها المهنية والأخلاقية، ويضع الوطن والمواطن نصب عينيه، ويبتغي قبل كل شيء مرضاة الله.
وأتعجب كثيرًا من بعض الآراء والمواقف التي تصدر أحيانًا عن زملاء في بلاط صاحبة الجلالة، وكأنهم ينظرون إلى الصحافة باعتبارها مهنة أقل شأنًا مما تستحق، أو يتعاملون مع الصحفي وكأنه يؤدي دورًا هامشيًا لا تأثير له في المجتمع.
ولعل أكثر ما أثار دهشتي خلال الفترة الأخيرة، ما صاحب الأنباء المتداولة بشأن تقدم الإعلامي شريف عامر بأوراق الانضمام إلى نقابة الصحفيين، من تعليقات تقلل من قيمة الخطوة، وتتساءل: ماذا سيجني من عضوية النقابة؟ ولماذا يحرص على الانضمام إلى الجماعة الصحفية؟

والحقيقة أن السؤال بالنسبة لي يجب أن يكون مختلفًا تمامًا: لماذا لا يعتز الإعلامي بالانتماء إلى نقابة الصحفيين، إذا كانت طبيعة عمله ورسالة ما يقدمه تتقاطع مع العمل الصحفي؟
فالانضمام إلى الجماعة الصحفية ليس انتقاصًا من شأن الإعلامي، وإنما يمكن أن يكون مصدر فخر واعتزاز، لأن الصحافة في جوهرها ليست مجرد وظيفة، بل مسؤولية ورسالة وتأثير.
فالصحفي لا يكتب كلمات عابرة، ولا ينقل معلومات بلا أثر؛ وإنما يقدم للقارئ مادة قد تغير موقفًا، أو تصحح مفهومًا، أو تكشف حقيقة، أو تفتح بابًا للنقاش، أو تدفع صاحب القرار إلى مراجعة موقف.
وكم من قرار اتخذه قارئ بعد اطلاعه على خبر أو تحقيق أو تقرير صحفي؟ وكم من قضية أصبحت محل اهتمام المجتمع بعدما سلط الصحفي الضوء عليها؟ وكم من رأي تشكل، أو موقف تغير، بناءً على معلومة موثقة وتحليل مهني قدمته صحيفة أو منصة إعلامية؟
ومن هنا تأتي عظمة الصحافة، التي تتجاوز في رسالتها مجرد نقل الخبر إلى بناء الوعي وتقديم المعرفة وإتاحة المعلومات التي تساعد الإنسان على فهم ما يدور حوله.
فالصحافة إحدى أهم أدوات التواصل والتأثير في المجتمع، ودورها لا يتوقف عند تغطية الأحداث، وإنما يمتد إلى التثقيف والتوعية ومناقشة القضايا العامة وإثراء الحوار المجتمعي والمساهمة في تشكيل الرأي العام.
والصحافة المهنية لا تعني أن يتخلى الصحفي عن الموضوعية، ولا أن يتحول إلى طرف في كل قضية، وإنما تعني أن يمتلك القدرة على البحث والتدقيق والتحقق، وأن يضع الحقيقة فوق أي اعتبار، وأن يدرك أن وراء كل معلومة ينشرها قارئًا قد يبني عليها موقفًا أو قرارًا أو رؤية.
وأرى، وقد أكون مخطئًا، أن من أكثر الأخطاء التي نرتكبها أن نقيس قيمة الصحفي أو مكانة الصحافة بحجم الراتب أو مستوى الدخل فقط. نعم، الاستقرار المادي ضرورة لا غنى عنها، والواقع الاقتصادي للمؤسسات الصحفية يمثل تحديًا حقيقيًا في العديد من الأسواق،
خصوصًا مع تراجع بعض مصادر الإعلان، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتغير أنماط استهلاك الأخبار، والتحول المتسارع من الصحافة التقليدية إلى المنصات الرقمية.
لكن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها بعض المؤسسات الصحفية لا تعني أبدًا أن الصحافة فقدت قيمتها أو أن الصحفي فقد دوره. بل على العكس، فإن استمرار الصحافة المهنية المستقلة يحتاج إلى بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا،
حتى تستطيع المؤسسات الاستثمار في الصحفي، وتطوير أدواته، وإنتاج محتوى مهني قادر على المنافسة، والحفاظ على حق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
إن الصحافة الحقيقية لا تُقاس فقط بما يحصل عليه الصحفي في نهاية الشهر، وإنما بما يتركه من أثر في وعي الناس، وما يقدمه من خدمة للمجتمع، وما يحافظ عليه من قيم الحقيقة والمهنية والمسؤولية.
ولهذا أقول لكل زميل في هذه المهنة: لا تقلل من شأن مهنتك، ولا تجعل بعض أزماتها سببًا في فقدانك الإيمان برسالتها. طوّر نفسك، احترم مهنتك، احترم قارئك، التزم بالحقيقة، ودافع عن حق الجمهور في المعرفة.

ارفع رأسك فوق.. أنت صحفي.
ليس لأنك أفضل من غيرك، وإنما لأنك تحمل أمانة الكلمة، ومسؤولية المعلومة، وقدرة التأثير في وعي مجتمع بأكمله.







