حسن النجار يكتب: متى تدخل مصر حرب التحالفات؟
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار – يكتب
تتزايد التساؤلات حول الموقف المصري من التحالفات الأمنية والدفاعية الجديدة في المنطقة، خصوصًا بعد الإعلان عن اتفاق الدفاع المشترك الموقع في مكة المكرمة، ومناقشة احتمالات انضمام دول عربية وإقليمية إليه.
وفي الثالث عشر من أغسطس، وعلى هامش المؤتمر الصحفي المشترك في العلمين الجديدة، وُجّه سؤال مباشر إلى وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بشأن موقف القاهرة من الاتفاق، وما إذا كانت مصر تعتزم الانضمام إليه.

وجاء الرد المصري واضحًا في مضمونه، إذ أكد عبدالعاطي أن القاهرة تراجع مسألة الانضمام إلى الاتفاق بجدية، وأن مؤسسات الدولة المعنية تدرس بصورة شاملة المتطلبات الأمنية والالتزامات العسكرية المترتبة عليه، في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية الدولية القائمة.
وأشار وزير الخارجية إلى أن مصر ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الدول الثلاث المؤسسة للاتفاق، وهي السعودية وتركيا وباكستان، وتشمل هذه العلاقات الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلًا عن التعاون بشأن قضايا الأمن الإقليمي.
كما لفت إلى أن القاهرة تتابع عددًا من الأطر والمبادرات الأمنية الإقليمية الأخرى، من بينها المبادرة السعودية الخاصة بتأمين الملاحة في البحر الأحمر.
وفي السياق نفسه، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن التحالف صُمم ليكون إطارًا مفتوحًا أمام الدول الراغبة في المشاركة، بهدف تعزيز الاعتماد الإقليمي على الذات وترسيخ مفهوم الردع الجماعي.
ووصف فيدان مصر بأنها «شريك طبيعي» لهذا الإطار، بالنظر إلى موقعها ودورها المحوري في منظومة الأمن العربي والشرق أوسطي، مرحبًا بأي مشاركة مصرية محتملة.
لكن اللافت أن المشهد لم يتوقف عند التصريحات الرسمية. ففي التوقيت ذاته، وبمدينة العلمين نفسها، شارك وزير الخارجية السعودي في اجتماع لم يكن مدرجًا ضمن أجندة المؤتمر الصحفي المشترك. ولم يصدر تفسير رسمي واضح بشأن طبيعة هذا الحضور أو أهدافه.
وبعيدًا عن القفز إلى استنتاجات غير مؤكدة، فإن تزامن هذا التحرك مع النقاش العلني بشأن اتفاق مكة يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية واسعة. وهنا يجب التأكيد أن الربط بين الأمرين يظل قراءة تحليلية تستند إلى التوقيت والظروف المحيطة، وليس معلومة رسمية صادرة عن أي طرف.
لماذا لم تحسم القاهرة موقفها؟
هنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت مصر تدرس الانضمام إلى الاتفاق «بجدية»، فلماذا لم تعلن حتى الآن موقفًا سياسيًا نهائيًا، سواء بالموافقة أو التحفظ أو الرفض؟
الإجابة الرسمية تتحدث عن مراجعة قانونية ودستورية وأمنية شاملة، وهو أمر مفهوم في الملفات المرتبطة بالتحالفات العسكرية والالتزامات الدفاعية. غير أن المسار القانوني لا يمنع، من حيث المبدأ، الدولة من إعلان موقف سياسي أولي بالتوازي مع استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية.
ومن ثم، فإن عدم صدور قرار سياسي واضح حتى الآن ربما يكون أكثر دلالة من مجرد التصريحات المتعلقة بعملية المراجعة نفسها.
وهناك عدة سيناريوهات يمكن طرحها، من دون الجزم بأي منها باعتباره حقيقة مؤكدة.
السيناريو الأول يتمثل في أن القرار السياسي لم يُحسم بصورة نهائية داخل مؤسسات الدولة المصرية، وأن المناقشات لا تزال جارية للوصول إلى صيغة تحقق المصالح المصرية، وتضمن عدم الدخول في التزامات عسكرية قد تتعارض مع ثوابت السياسة الخارجية المصرية أو حساباتها الإقليمية.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق برغبة القاهرة في الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة السياسية والاستراتيجية، وعدم التسرع في إعلان موقف نهائي قبل اتضاح شكل التحالف، وطبيعة الالتزامات التي ستترتب على الدول الأعضاء، وحدود التدخل العسكري في حال وقوع أي أزمة إقليمية.
وهناك أيضًا احتمال أن تكون مصر في مرحلة اختبار حقيقي لمعادلات الأمن الإقليمي الجديدة، خصوصًا في ظل تداخل الملفات المتعلقة بالخليج والبحر الأحمر وتركيا وباكستان، إلى جانب التطورات المتسارعة في المنطقة.
مصر بين التحالفات وحسابات المصلحة الوطنية
القاهرة تدرك أن أي اتفاق دفاعي جديد لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خطوة سياسية عابرة، لأن الانضمام إلى تحالف عسكري يترتب عليه التزامات ومسؤوليات، وقد يفرض على الدولة مواقف محددة في أوقات الأزمات والصراعات.
ولهذا تبدو مصر حريصة على دراسة التفاصيل قبل اتخاذ القرار، خصوصًا أن سياستها الخارجية تقوم في الأساس على الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وتنويع الشراكات، وعدم الانخراط في ترتيبات قد تقيد قدرتها على التحرك وفقًا لمصالحها المباشرة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: «متى تحارب مصر؟»، وإنما: ما الحدود التي يمكن أن تقبل بها القاهرة داخل أي منظومة دفاعية جديدة، ومتى يصبح الالتزام الجماعي متعارضًا مع حسابات الأمن القومي المصري؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية. وما بين التصريحات الرسمية، والتحركات الدبلوماسية، والمشاورات الجارية، يظل «العرض» مستمرًا، بينما تراقب القاهرة المشهد بعناية قبل أن تكشف أوراقها الأخيرة.








