
كتبت | مي الكاشف
في توقيت تتشابك فيه التحديات الأمنية مع التحولات السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الأربعاء، في جلسة «أمن الوطن والمواطن»، ضمن فعاليات اليوم الثالث من منتدى مصر 2026، في مناقشات تضع حماية المواطن واستقرار الدولة في قلب الأولويات الوطنية.

وشهدت الجلسة حضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والفريق أشرف سالم زاهر، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، واللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، والدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، والفريق محمد عبد الرحمن ربيع، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ورئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ.
وتناولت الجلسة جهود تطوير المنظومة الأمنية، ورفع كفاءة الاستجابة لبلاغات المواطنين، وآليات عمل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ ومركز تنسيق الدفاع عن الدولة، إلى جانب بحث انعكاسات المتغيرات الإقليمية والدولية على الأمن القومي المصري، ودور السياسة الخارجية في حماية المصالح الوطنية. <Cite refs=
أمن المواطن ليس شعارًا.. بل اختبار حقيقي لكفاءة مؤسسات الدولة
وتأتي أهمية الجلسة من كونها تطرح مفهوم الأمن في إطار أوسع من المواجهة الأمنية التقليدية؛ فالأمن الحقيقي يرتبط بقدرة مؤسسات الدولة على حماية المجتمع، والاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين، والتعامل المنظم مع الأزمات، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية في مختلف الظروف.
وفي هذا الإطار، لا ينفصل تطوير الأداء الأمني عن تحديث وسائل العمل، والاستفادة من التكنولوجيا، ورفع كفاءة العنصر البشري، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يضمن سرعة التعامل مع البلاغات والوقائع الطارئة، ويعزز شعور المواطنين بالأمان.
كما تبرز أهمية الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى الاستعداد المسبق لها، من خلال تحليل المخاطر، وتحديد المسؤوليات، وتطوير خطط الاستجابة، ورفع درجة التنسيق بين المؤسسات المختلفة.
وتكشف هذه المحاور أن قياس فاعلية المنظومة الأمنية لا يقتصر على حجم الإمكانات المتاحة، بل يمتد إلى كفاءة استخدامها، وسرعة الاستجابة، والقدرة على الحد من المخاطر، وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
حسن النجار يقرأ المشهد: قوة الدولة تبدأ من حماية المواطن والاستعداد للمخاطر
وفي قراءة تحليلية من صالة تحرير الأخبار الرئيسية بجريدة «الوطن اليوم»، يرى الكاتب الصحفي حسن النجار، رئيس تحرير الجريدة وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية،

أن أهمية جلسة «أمن الوطن والمواطن» تكمن في طرح الأمن باعتباره منظومة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الداخلية والخارجية، وتتوقف فاعليتها على قدرة مؤسسات الدولة على العمل بتنسيق واستباقية، وليس فقط على التعامل مع الأحداث بعد وقوعها.
ويشير النجار، في تحليله للمشهد، إلى أن التحدي الأساسي أمام الدول في المرحلة الراهنة يتمثل في تحويل الاستعداد المؤسسي إلى قدرة عملية على حماية المواطنين، خصوصًا في ظل الأزمات المتسارعة التي قد تتجاوز حدود دولة واحدة، وتنعكس آثارها على الاقتصاد وسلاسل الإمداد والطاقة والغذاء ومستويات المعيشة.
ومن هذا المنطلق، فإن أمن المواطن لا يمكن فصله عن استقرار الدولة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا؛ فكلما امتلكت المؤسسات أدوات أكثر كفاءة للتنبؤ بالمخاطر والتعامل معها، زادت قدرتها على حماية المجتمع وتقليل آثار الأزمات.

ويؤكد التحليل أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على احتواء التهديدات، وإنما أيضًا بقدرتها على منع تحولها إلى أزمات تمس حياة المواطنين. فالتنسيق المؤسسي، وسرعة اتخاذ القرار، ووضوح المسؤوليات، والاستثمار في التكنولوجيا والكوادر المؤهلة، تمثل عناصر رئيسية لبناء منظومة قادرة على الاستجابة الفعالة.
ويضيف هذا المنظور بُعدًا مهمًا لمناقشات المنتدى، يتمثل في ضرورة أن تنعكس الخطط والسياسات الأمنية على جودة الخدمات المقدمة للمواطن، وأن تقترن الجاهزية المؤسسية بآليات واضحة لتقييم الأداء وتحديد نقاط القوة والفجوات التي تحتاج إلى معالجة.
السياسة الخارجية والأمن القومي.. علاقة تتجاوز حدود الدبلوماسية
وتكتسب مشاركة وزير الخارجية في الجلسة أهمية خاصة في ضوء الارتباط المتزايد بين التطورات الدولية والأوضاع الداخلية. فالأزمات الإقليمية، واضطرابات الملاحة، والتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، يمكن أن تمتد آثارها إلى أمن الطاقة والغذاء والاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، خلال الجلسة، أن الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي يمثل شرطًا أساسيًا لفاعلية السياسة الخارجية، موضحًا أن التحولات الدولية تؤثر بصورة مباشرة على ملفات ترتبط بحياة المواطنين، ومنها الطاقة والأمن الغذائي ومستويات المعيشة.
وتعكس هذه الرؤية أهمية التكامل بين السياسة الخارجية والسياسات الداخلية، بحيث لا يقتصر التحرك الدبلوماسي على إدارة العلاقات الدولية، بل يمتد إلى حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية، والتعامل مع المخاطر التي قد تترتب على الأزمات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، يصبح التنسيق بين المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والجهات المعنية بإدارة الأزمات ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، خاصة مع تعدد مصادر التهديد وتشابك المصالح الدولية.
إدارة الأزمات.. من رد الفعل إلى الاستعداد الاستراتيجي
ويمثل ملف إدارة الأزمات أحد المحاور المهمة في مناقشات أمن الوطن والمواطن، إذ تتوقف كفاءة التعامل مع الطوارئ على سرعة تبادل المعلومات، ودقة تقدير الموقف، وتحديد أولويات التحرك، وتكامل الأدوار بين المؤسسات المعنية.
وتتطلب الإدارة الفعالة للأزمات بناء منظومة تستند إلى خطط واضحة، وسيناريوهات متعددة، وتدريبات مستمرة، وآليات لتقييم النتائج واستخلاص الدروس. كما أن استخدام التكنولوجيا الحديثة في تحليل البيانات وتبادل المعلومات يمكن أن يدعم سرعة اتخاذ القرار ويرفع مستوى الجاهزية.
ومن منظور تحليلي، فإن النجاح في إدارة الأزمات لا يبدأ لحظة وقوعها، بل يتأسس قبل ذلك بوقت طويل، من خلال التخطيط والوقاية والاستعداد، وتحديد نقاط الضعف المحتملة، ووضع بدائل عملية تضمن استمرار الخدمات الحيوية وحماية المواطنين.
وهنا تبرز أهمية الربط بين عمل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ والجهات الأمنية والتنفيذية، بما يدعم وحدة الرؤية وسرعة الاستجابة عند مواجهة أي تطورات طارئة.
الوعي المجتمعي.. خط الدفاع المكمل عن أمن الوطن
ولا تكتمل المنظومة الأمنية دون دور مجتمعي واعٍ يدرك طبيعة التحديات، ويتعامل بمسؤولية مع المعلومات، ويميز بين الأخبار الموثوقة والشائعات التي قد تستهدف إثارة القلق أو إرباك الرأي العام.
فالوعي ليس بديلًا عن دور مؤسسات الدولة، لكنه عنصر مكمل لجهودها، خصوصًا في أوقات الأزمات التي تتزايد خلالها الحاجة إلى المعلومات الدقيقة والاتصال الواضح مع المواطنين.
كما أن بناء الثقة يتطلب استمرار التواصل الفعال، وتوضيح الحقائق، وتقديم المعلومات من مصادرها الرسمية، مع تعزيز ثقافة الالتزام بالقانون والمسؤولية المشتركة في الحفاظ على استقرار المجتمع.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الإعلام المهني في نقل المعلومات بدقة، وشرح أبعاد القضايا الوطنية، وتقديم قراءة موضوعية للتحديات، بعيدًا عن التهويل أو الاستنتاجات غير المدعومة.
منتدى مصر 2026.. من مناقشة التحديات إلى قياس النتائج
وتؤكد جلسة «أمن الوطن والمواطن» أهمية الانتقال من عرض الجهود والسياسات إلى تقييم أثرها الفعلي، عبر مؤشرات واضحة تقيس سرعة الاستجابة، وكفاءة الخدمات، ومستوى الاستعداد للطوارئ، ومدى انعكاس الإجراءات المتخذة على حياة المواطنين.

فالنجاح الحقيقي لأي استراتيجية وطنية لا يتحقق بمجرد وضع الخطط، وإنما بقدرتها على معالجة المشكلات، وتقليل المخاطر، وتحسين الأداء، وتحقيق نتائج قابلة للقياس والتطوير.
وتتسع أهمية المنتدى من خلال جمع المسؤولين والخبراء والمتخصصين لمناقشة القضايا الوطنية من زوايا متعددة، بما يساعد على تحديد الأولويات، وتبادل الخبرات، وصياغة تصورات عملية للتعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلية.
واكد الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار إن أمن الوطن والمواطن يمثل معادلة متكاملة تجمع بين قوة المؤسسات، وكفاءة إدارة الأزمات، وفاعلية السياسة الخارجية، والوعي المجتمعي. وكلما نجحت الدولة في تحويل هذه العناصر إلى سياسات عملية ونتائج ملموسة، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها الوطنية، وتعزيز الاستقرار، وصون مقدرات الشعب المصري.
وتبقى الرسالة الأهم من مناقشات هذا الملف أن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية المواطن، وأن الاستعداد للمستقبل يبدأ ببناء مؤسسات قادرة على قراءة المخاطر مبكرًا، واتخاذ القرار المناسب، والاستجابة بكفاءة لما تفرضه المتغيرات من تحديات.







