الشؤون السياسية الدوليةبقلم حسن النجار

حسن النجار : يكتب – الرئيس السيسي يدفع نحو صياغة جديدة للأمن العربي وسط صراع القوى الكبرى

هل ينجح السيسي في توحيد الموقف العربي وسط التحولات الدولية؟

كتب | حسن النجار

تتجه منطقة الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات والحسابات الاستراتيجية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع الثقة في قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على توفير مظلة مستقرة لدول المنطقة،

وهو ما يعيد إلى الواجهة الدعوات المصرية لتعزيز التضامن العربي وبناء قدرات عربية مشتركة لحماية الأمن القومي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الصينية نقلة نوعية، خاصة بعد الزيارة الرسمية للرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة يومي 1 و2 سبتمبر 2026،

حسن النجار  يكتب - الرئيس السيسي يدفع نحو صياغة جديدة للأمن العربي وسط صراع القوى الكبرى
حسن النجار يكتب – الرئيس السيسي يدفع نحو صياغة جديدة للأمن العربي وسط صراع القوى الكبرى

والتي أسفرت عن تأكيد مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، وتوسيع التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، إلى جانب ملفات سياسية وأمنية إقليمية.

وخلال المباحثات المصرية الصينية، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أهمية خفض التصعيد واحترام سيادة وأمن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، والحفاظ على حرية الملاحة، فيما أكدت القاهرة وبكين أهمية اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والنزاعات.

وفي السياق نفسه، طرح الرئيس الصيني شي جين بينج رؤية تقوم على بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، يرتكز على الأمن المشترك ورفض التدخل الخارجي وتعزيز قدرة دول المنطقة على إدارة شؤونها،

وهي رؤية تتقاطع مع دعوات إقليمية متزايدة إلى تعزيز القدرات الذاتية لدول الشرق الأوسط وعدم الارتهان الكامل إلى القوى الخارجية.

أما على مستوى العلاقات المصرية الروسية، فتؤكد البيانات الرسمية استمرار الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو، والتي تشمل مشروعات كبرى،

في مقدمتها محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب التعاون الاقتصادي والاستثماري والطاقة وغيرها من المجالات.

ومن هنا تبرز تساؤلات سياسية واسعة حول مستقبل النظام الإقليمي العربي: هل يمكن للدول العربية أن تنتقل من مرحلة التنسيق السياسي والأمني إلى بناء ترتيبات دفاعية أكثر تكاملاً؟ وهل يمكن أن تشهد المنطقة صيغة جديدة للتعاون الأمني تقلل الاعتماد على القوى الكبرى؟

ويرى مراقبون أن نجاح أي مشروع عربي مشترك لن يتوقف فقط على حجم القدرات العسكرية، وإنما على وجود توافق سياسي بين الدول العربية،

وآليات واضحة لاتخاذ القرار، واحترام سيادة كل دولة، وتحديد التهديدات المشتركة، فضلًا عن بناء منظومة اقتصادية وسياسية تدعم أي تعاون دفاعي مستقبلي.

وفي المقابل، فإن الحديث عن تحول مصر إلى جزء من تحالف رسمي يضم الصين وروسيا وكوريا الشمالية يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق؛ فالمعلومات المعلنة حتى الآن تؤكد شراكات مصرية استراتيجية مع الصين وروسيا،

لكنها لا تثبت قيام تحالف عسكري ثلاثي أو رباعي من هذا النوع. كما أن العلاقات المصرية الصينية نفسها تُطرح رسميًا باعتبارها شراكة استراتيجية شاملة قائمة على المصالح المتبادلة وعدم التدخل، وليس باعتبارها تحالفًا عسكريًا موجّهًا ضد دولة بعينها.

وتكشف التحركات المصرية خلال الأشهر الأخيرة عن سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتحقيق التوازن الاستراتيجي، بدلًا من الارتهان إلى محور دولي واحد، وهو ما ظهر بوضوح في تنامي التعاون مع الصين وروسيا، مع استمرار العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة والدول العربية والشركاء الدوليين.

ويبقى السؤال الأبرز: إذا نجحت القاهرة في دفع الدول العربية نحو مزيد من التنسيق الاستراتيجي والأمني، فهل نشهد بالفعل بداية صياغة نظام أمني إقليمي جديد تكون الدول العربية طرفًا رئيسيًا في تحديد قواعده، أم ستظل الحسابات المختلفة لكل دولة عائقًا أمام الوصول إلى موقف عربي موحد؟

حسن النجار  يكتب - الرئيس السيسي يدفع نحو صياغة جديدة للأمن العربي وسط صراع القوى الكبرى
حسن النجار يكتب – الرئيس السيسي يدفع نحو صياغة جديدة للأمن العربي وسط صراع القوى الكبرى

وفي جميع الأحوال، تبدو القاهرة متمسكة برسالة أساسية مفادها أن أمن الدول العربية مترابط، وأن حماية المنطقة لا يمكن أن تقوم فقط على تدخلات القوى الخارجية، وهو المبدأ الذي أكده الرئيس السيسي صراحة عندما شدد على أن أمن الدول العربية يمثل امتدادًا للأمن القومي المصري.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى