بقلم حسن النجارحسن النجار يكتب

19 شهيدًا في الدواويس.. «حسن النجار» يكتب عن مأساة لقمة العيش

شهداء لقمة العيش في «الدواويس».. مأساة تستوجب الحسم

بقلم  – حسن النجار

شهداء لقمة العيش في «الدواويس».. مأساة تستوجب الحسم

لم يعد حادث الدواويس مجرد حادث سير عابر، وإنما أصبح مأساة إنسانية جديدة تكشف عن مشكلة متكررة تتعلق بسلامة العمالة اليومية وغير المنتظمة، وضرورة وضع منظومة حقيقية تمنع تكرار مثل هذه الكوارث.

فقد شهدت منطقة الدواويس التابعة لمركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية حادث تصادم مروع بين سيارتين كانتا تقلان عمالًا، وأسفر الحادث، وفق البيانات المتداولة، عن وفاة 19 شخصًا وإصابة 29 آخرين، بينهم عمال يومية من أبناء قريتي الصالحية 1 بحر البقر التابعة لمركز الحسينية والعزازي بمركز ابو حماد بمحافظة الشرقية.

وتزداد فداحة المأساة مع وجود أطفال بين الضحايا، فضلًا عن أن الحادث أودى بحياة عدد كبير من أفراد أسرة واحدة، في واقعة مؤلمة فقدت فيها إحدى الأسر 6 أشقاء، لتتحول رحلة البحث عن الرزق إلى فاجعة هزت أسرًا وقرى كاملة.

19 شهيدًا في الدواويس.. «حسن النجار» يكتب عن مأساة لقمة العيش
19 شهيدًا في الدواويس.. «حسن النجار» يكتب عن مأساة لقمة العيش

مأساة تتجاوز الحادث

السؤال هنا ليس فقط: كيف وقع التصادم؟ وإنما: هل كان يمكن منع وقوع هذه المأساة من الأساس؟

فالحوادث التي تقع أثناء نقل العمالة اليومية والموسمية ليست ظاهرة جديدة، إذ تتكرر مشاهد نقل العمال في مركبات غير مجهزة بصورة مناسبة، مع ضعف إجراءات السلامة والرقابة على بعض وسائل النقل، وهو ما يجعل العامل البسيط يدفع الثمن الأكبر بحثًا عن مصدر رزقه.

وهنا يجب أن نتوقف أمام مسألة بالغة الأهمية، وهي حماية العمالة غير المنتظمة والموسمية، ووضع ضوابط واضحة لنقلها وتشغيلها، بحيث لا تتحول الحاجة إلى العمل إلى مخاطرة بحياة الإنسان.

كما أن وجود أطفال بين الضحايا يفتح ملفًا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بضرورة التصدي لعمالة الأطفال، والتأكد من أن فرص العمل لا تُعرض على صغار السن في ظروف تعرض حياتهم للخطر.

تكرار المآسي يفرض مراجعة المنظومة

هذه الواقعة تعيد إلى الأذهان حادث الطريق الإقليمي بمحافظة المنوفية في يونيو 2025، الذي أسفر عن وفاة 19 عاملة، وهو الحادث الذي أثار وقتها حالة واسعة من الغضب والحزن، وطرح تساؤلات عديدة حول وسائل نقل العمالة وإجراءات السلامة والرقابة على الطرق.

وعقب مثل هذه الحوادث، تصدر توجيهات وتعليمات لمراجعة إجراءات السلامة وتشديد الرقابة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار التوجيهات، وإنما في تحويلها إلى إجراءات دائمة ومستمرة على الأرض.

فلا يجوز أن تتحرك الأجهزة الحكومية بقوة عقب وقوع الكارثة، ثم تتراجع المتابعة بعد انحسار الاهتمام الإعلامي بها. المطلوب منظومة تعمل قبل الحادث، وليس بعده.

تدخل الرئيس لا يجب أن يكون نهاية التحرك

وكالعادة، جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي عقب الحادث لتقديم الرعاية الصحية اللازمة للمصابين، ومساندة أسر الضحايا، مع مضاعفة التعويضات التي تصرفها الجهات المعنية، إلى جانب تحرك الأجهزة التنفيذية والمحافظة لمتابعة تداعيات الحادث.

لكن تدخل الرئيس يجب أن يكون بداية لتحرك حكومي شامل، وليس نهاية الملف.

المطلوب أن تتحرك وزارات التضامن الاجتماعي والعمل والداخلية والتنمية المحلية والنقل، كل في نطاق اختصاصه، لوضع قواعد واضحة وحاسمة لتنظيم تشغيل ونقل العمالة اليومية والموسمية، وتشديد الرقابة على المركبات المستخدمة في نقلهم، والتأكد من توافر شروط الأمان والسلامة.

كما يجب أن تكون هناك مسؤولية واضحة على أصحاب الأعمال والمقاولين والجهات التي تستعين بالعمالة اليومية، بحيث لا يتم نقل العاملين في وسائل غير آمنة أو غير مخصصة لهذا الغرض، مع تطبيق القانون بكل حزم على المخالفين.

المسؤولية لا تقع على السائق وحده

من الخطأ اختزال مثل هذه الحوادث في تحميل المسؤولية للسائق فقط، لأن القضية أكبر من ذلك.

هناك منظومة كاملة يجب مراجعتها: المركبة، الحمولة، عدد الركاب، صلاحية الطريق، الإضاءة، اللوحات الإرشادية، الرقابة المرورية، ظروف العمل، جهة التشغيل، وطريقة نقل العمال.

ومن هنا تبرز أهمية وجود كاميرات وغرف عمليات ومتابعة مستمرة للطرق الحيوية، فضلًا عن الرقابة على سيارات النقل والميكروباصات، والتأكد من الالتزام بالحمولات المقررة، وعدم السماح بأي ممارسات تعرض حياة المواطنين للخطر.

المطلوب منظومة دائمة لا تحرك موسمي

ما تحتاجه الدولة الآن ليس حملة مؤقتة بعد حادث الدواويس، وإنما منظومة مستدامة للوقاية من حوادث نقل العمالة.

ويجب أن يكون لكل محافظة ومركز ومدينة وقرية دور مباشر في اكتشاف المخالفات قبل تحولها إلى كوارث. فالمسؤول التنفيذي في موقعه يمتلك صلاحيات ومسؤوليات، ومن المهم أن يمارس دوره بصورة استباقية، وألا ينتظر وقوع الكارثة ثم تبدأ التحركات.

كما أن صيانة الطرق، وتحسين الإنارة، ووضع العلامات الإرشادية، وتشديد الرقابة على المركبات، ومراجعة أماكن تحميل ونقل العمال، كلها إجراءات وقائية لا تقل أهمية عن إنشاء الطرق نفسها.

بناء الإنسان أهم من بناء الطريق

الدولة المصرية قطعت خطوات كبيرة في تطوير شبكة الطرق والبنية الأساسية، لكن قيمة هذه المشروعات لا تكتمل إلا بحماية الإنسان الذي يستخدمها.

فبناء الطرق وتطوير البنية التحتية يجب أن يتزامنا مع بناء منظومة أمان تحافظ على حياة المواطنين، خصوصًا العمال البسطاء الذين يخرجون كل صباح بحثًا عن لقمة العيش.

مأساة الدواويس يجب ألا تمر مثل غيرها. فـ19 شهيدًا و29 مصابًا رقم ثقيل، وخلف كل ضحية أسرة وحكاية وأبناء وأشقاء وأحلام توقفت فجأة.

والرسالة الأهم من هذه المأساة هي أن لقمة العيش لا ينبغي أن تكون ثمنًا للحياة.

المطلوب الآن إجراءات حاسمة، ومتابعة مستمرة، ومحاسبة للمقصرين، وضمانات حقيقية للعمالة غير المنتظمة والموسمية، وتطبيق صارم للقانون، حتى لا نعود بعد أشهر أو سنوات لنكتب عن مأساة جديدة، ونكتشف مرة أخرى أننا أمام حادث كان يمكن منعه.

حفظ الله مصر قيادة وشعب ورحم الله شهداء لقمة العيش – ؟

19 شهيدًا في الدواويس.. «حسن النجار» يكتب عن مأساة لقمة العيش
19 شهيدًا في الدواويس.. «حسن النجار» يكتب عن مأساة لقمة العيش

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى