حسن النجار يكتب: كيف نربي أبناءنا ليكونوا أزواجًا صالحين؟
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم | حسن النجار
نهتم كثيرًا بتربية أبنائنا على النجاح، ونسعى إلى أن يحصلوا على تعليم جيد، وأن يمتلكوا القدرة على مواجهة الحياة، وتحمل المسؤولية، وتحقيق الاستقرار المادي والمكانة الاجتماعية. لكننا أحيانًا نغفل سؤالًا أكثر أهمية: هل نربي أبناءنا ليكونوا صالحين للحياة مع إنسان آخر؟

قد ننجح في تربية شاب متفوق في دراسته، ناجح في عمله، قوي الشخصية، وقادر على تحمل المسؤوليات المهنية، لكنه يدخل الزواج دون أن يعرف كيف يستمع إلى شريكته، أو يعتذر عندما يخطئ، أو يتعامل مع غضبه، أو يعبر عن مشاعره، أو يدرك أن المرأة التي اختارها شريكة لحياته ليست مطالبة بأن تكون نسخة من أمه.
وهنا تظهر حقيقة مهمة: النجاح في الحياة لا يعني بالضرورة النجاح في الزواج.
فالرجل الصالح للزواج لا تصنعه الشهادة الجامعية وحدها، ولا الوظيفة المرموقة، ولا القدرة المادية، ولا حتى حسن التعامل أمام الآخرين. هذه كلها صفات مهمة، لكنها لا تكفي لبناء علاقة زوجية مستقرة. فالزواج يحتاج إلى إنسان يعرف أن أمامه شريكًا له مشاعره واحتياجاته وأحلامه وحدوده، وأن الحب ليس مجرد الحصول على الاحتياجات، وإنما القدرة على منح الطرف الآخر مساحة من الأمان والاحترام والشراكة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل ابننا رجل جيد؟
بل السؤال الأعمق: هل تعلم كيف يكون زوجًا جيدًا؟
هناك فرق كبير بين الاثنين.
قد يكون الابن مهذبًا مع الغرباء، متفوقًا في دراسته، محبوبًا بين أصدقائه، لكنه لم يتعلم داخل بيته أن الإنسان مسؤول عن أثر أفعاله في الآخرين. قد يغضب، فتسارع الأسرة إلى إرضائه، ويخطئ فيجد من يبرر له، ويفشل فتبحث الأسرة عن شخص تلقي عليه المسؤولية، ويطلب شيئًا فيحصل عليه قبل أن يتعلم كيف يسعى إليه.
ثم يكبر هذا الابن، ويدخل الزواج، ليكتشف أن زوجته ليست أمه.
وهنا قد تبدأ واحدة من أكثر المشكلات الزوجية شيوعًا.
فالطفل الذي اعتاد أن تقوم أمه بكل شيء نيابة عنه، قد يكبر وهو يرى الرعاية والخدمة حقًا طبيعيًا يحصل عليه من المرأة التي يعيش معها. وقد لا يدرك أن ترتيب المنزل مسؤولية مشتركة، وأن رعاية الأطفال ليست مهمة تخص الأم وحدها، وأن الزوجة يمكن أن تتعب مثلما يتعب هو، وأن لها الحق في الراحة والاهتمام مثلما له هذا الحق.
والأم التي تفعل كل شيء لابنها بدافع الحب، قد تكتشف بعد سنوات أنها لم تكن تحميه من مسؤوليات الحياة، وإنما كانت تؤجل مواجهته بها.
الحب الحقيقي للأبناء لا يعني أن نفعل كل شيء بدلًا منهم، بل أن نعلمهم كيف يفعلون ما يستطيعون بأنفسهم.

فنحن لا نربي أبناءنا ليظلوا أطفالًا يحتاجون إلى من ينقذهم كلما واجهوا مشكلة، وإنما نربيهم ليصبحوا رجالًا قادرين على الوقوف إلى جوار إنسان آخر، لا خلفه ولا فوقه.
وهنا يأتي سؤال مهم: ماذا نعلّم أبناءنا عن معنى الرجولة؟
إذا تربى الطفل على أن الرجل لا يبكي، ولا يخاف، ولا يعتذر، ولا يعترف بتعبه، ولا يتراجع عن موقفه مهما كان، فقد لا نصنع منه رجلًا قويًا، وإنما قد نصنع إنسانًا عاجزًا عن فهم مشاعره والتعامل معها بطريقة صحية.
فالرجل الذي لا يعرف كيف يعبر عن حزنه، قد يحوله إلى غضب.
والذي يخشى التعبير عن خوفه، قد يحوله إلى سيطرة.
والذي يرى الاعتذار ضعفًا، قد يتمسك بخطئه حتى يخسر من يحب.
والذي يتعلم أن إخفاء مشاعره هو الدليل الوحيد على القوة، قد يحب زوجته فعلًا، لكنه لا يعرف كيف يجعلها تشعر بهذا الحب.
لذلك نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الرجولة أمام أبنائنا.
الرجولة ليست ارتفاع الصوت، وليست الانتصار في كل خلاف، وليست أن تخاف منك زوجتك حتى تحترمك، وليست أن تتحمل كل شيء في صمت ثم تنفجر فجأة.
الرجولة الأكثر نضجًا هي أن يعرف الإنسان متى يكون قويًا ومتى يكون لينًا، ومتى يتمسك بموقفه ومتى يراجع نفسه، ومتى يقول «لا»، ومتى يقول «أنا أخطأت»، ومتى يطلب المساعدة دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من قيمته.
والأهم أن يتعلم الابن أن القوة لا تمنحه الحق في إيذاء من هو أضعف منه، وأن امتلاك المال أو السلطة أو القدرة لا يجعل مشاعر الآخرين أقل قيمة.
البيت.. المدرسة الأولى لفنون الحب
البيت هو أول مدرسة عاطفية يتعلم فيها الطفل كيف يحب، وكيف يختلف، وكيف يحترم، وكيف يتعامل مع الغضب.
وقبل أن يعرف الابن معنى الزواج، يكون قد رأى الزواج أمام عينيه.
يراه في طريقة حديث أبيه مع أمه، وفي أسلوب اختلافهما، وفي طريقة اعتذار أحدهما للآخر، وفي احترام الأب لأم أبنائه، وفي كيفية اتخاذ القرارات داخل الأسرة، وفي قدرة كل طرف على تقدير الآخر.
فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى محاضرة طويلة عن الاحترام؛ يكفي في كثير من الأحيان أن يرى الاحترام أمامه.
فالابن الذي يرى والده يرفع صوته على أمه كلما غضب، قد يتعلم دون أن يشعر أن الغضب يمكن أن يلغي الاحترام.
أما الابن الذي يرى والده يستشير أمه، ويحترم رأيها، ويساعدها، ويعتذر عندما يخطئ، ويتعامل معها باعتبارها شريكة حقيقية، فإنه يتلقى درسًا عميقًا في الزواج دون أن يحتاج أحد إلى شرحه له.
الأب هنا لا يربي ابنه بالكلمات فقط، وإنما يقدم له نموذجًا قد يحمله معه إلى حياته الزوجية.
وكذلك الأم لها دور بالغ الأهمية.
فالأم التي تربي ابنها على أن النساء موجودات لخدمته، حتى لو جاء ذلك في صورة مزاح متكرر، قد تزرع داخله مفهومًا سيكتشف خطورته عندما يدخل الحياة الزوجية.
والأم التي تفعل كل شيء لابنها، ثم تقارن زوجته بها لأنها لا تقدم له ما كانت تقدمه، قد تضع المرأة الجديدة في حياته أمام منافسة غير عادلة.
الأم ليست مطالبة بأن تتراجع عن حب ابنها عندما يتزوج، لكنها مطالبة بأن تدرك أن مهمتها ليست أن تجعل ابنها محتاجًا إليها طوال حياته، وإنما أن تساعده على بناء حياة مستقلة وناضجة.
أن تقول له: «أنا هنا دائمًا، لكنك قادر على فعل ذلك بنفسك»، هو حب أكثر نضجًا من أن تقول له: «دعني أفعل كل شيء بدلًا منك».
زوجته ليست نسخة من أمه
من أهم الدروس التي يحتاج الابن إلى تعلمها قبل الزواج أن زوجته المستقبلية ليست مطالبة بأن تشبه أمه.
قد تطهو بطريقة مختلفة، أو ترتب المنزل بطريقة مختلفة، أو تحتاج إلى وقت خاص لنفسها، أو يكون لها رأي مخالف لرأيه، أو تمتلك طموحات واهتمامات خاصة بها.
وهذا ليس عيبًا ولا تقصيرًا.
إنه ببساطة اختلاف طبيعي بين إنسانين اختارا أن يعيشا معًا.
ومن الأخطاء التربوية أن نربي الابن على أن المرأة الجيدة هي التي تتحمل كل شيء، وتصمت عن كل شيء، وتضع نفسها دائمًا في المرتبة الأخيرة.
فبهذه الطريقة لا نربيه على تقدير المرأة، وإنما قد نربيه على توقع استنزافها.
يجب أن يعرف ابننا أن زوجته من حقها أن تقول «أنا متعبة» دون أن تكون مقصرة، وأن تختلف معه دون أن تكون قليلة الاحترام، وأن تطلب وقتًا لنفسها دون أن يعني ذلك أنها لا تحبه، وأن يكون لها طموحها وشخصيتها واهتماماتها خارج إطار الزواج.
كما يجب أن يتعلم أن الاعتذار لا ينتقص من رجولته.
بل إن القدرة على قول: «أنا أخطأت» من أهم المهارات التي يحتاج إليها الرجل في حياته الزوجية.
فالطفل الذي يتعرض لعقاب يجعله يخاف الاعتراف بخطئه، قد يكبر وهو يدافع عن نفسه حتى عندما يكون مخطئًا.
أما الطفل الذي يتعلم أن الخطأ فرصة للفهم والتصحيح، فيصبح أكثر قدرة على مراجعة نفسه، وهذه مهارة يحتاج إليها الزواج بشدة.
فالزواج ليس علاقة بين شخصين لا يخطئان، وإنما علاقة بين شخصين يخطئان، ثم يحاولان ألا تتحول أخطاؤهما إلى جروح دائمة.
علّموا أبناءكم كيف يختلفون دون أن يؤذوا
من المهم أيضًا أن نعلم أبناءنا أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الخلاف، وأن الخلاف لا يعني الإهانة.
يمكن للإنسان أن يقول: «أنا مختلف معك» دون أن يقول: «أنت لا تفهمين».
ويمكنه أن يغضب دون أن يهدد، وأن يحتاج إلى بعض الوقت قبل الحوار دون أن يستخدم الصمت وسيلة للعقاب، وأن يرفض أمرًا دون أن يهين الطرف الآخر، وأن يتمسك برأيه دون أن يلغي رأي شريك حياته.
هذه ليست مهارات تظهر تلقائيًا بعد الزواج، وإنما يمكن للإنسان أن يتعلمها منذ طفولته، من الطريقة التي تدير بها الأسرة خلافاتها، ومن أسلوب تعاملها مع الغضب والإحباط والخوف.
المسؤولية ليست دفع الفواتير فقط
ولا يمكن أن نتحدث عن الرجل الصالح للزواج دون أن نتحدث عن تحمل المسؤولية.
المسؤولية ليست دفع الفواتير فقط، وليست توفير الاحتياجات المادية وحدها.
المسؤولية أيضًا أن يدرك الرجل أن الحياة الزوجية مليئة بتفاصيل يومية قد لا يراها أحد، وأن الزوجة ليست آلة تعمل في صمت، وأن رعاية الأطفال مسؤولية مشتركة، وأن الاهتمام بالمنزل والأسرة يحتاج إلى مشاركة حقيقية.
أن يسأل زوجته: «ماذا تحتاجين؟»
وأن ينتبه إلى تعبها قبل أن يتحول الإرهاق إلى شكوى أو غضب.
وأن يدرك أن رعاية أطفاله ليست «مساعدة» لزوجته، وإنما جزء أصيل من مسؤوليته كأب.
فالرجل عندما يقول: «أنا أساعد زوجتي في البيت»، قد يحتاج إلى إعادة النظر في معنى هذه العبارة.
هو لا يساعدها في بيتها؛ إنه يشارك في بيته.
ولا يساعدها في تربية أطفاله؛ إنه يشارك في تربية أبنائه.
وقد تكشف الكلمات الصغيرة أحيانًا عن أفكار كبيرة تسكن داخلنا دون أن ننتبه إليها.
الحب ليس امتلاكًا
ومن أكثر النقاط حساسية في تربية الابن للزواج أن يتعلم ألا يرى المرأة التي يحبها باعتبارها ملكية خاصة به.
الغيرة قد تكون شعورًا طبيعيًا، لكن السيطرة ليست حبًا.
والاهتمام ليس مراقبة.
والخوف على الزوجة لا يمنح الزوج الحق في إلغاء شخصيتها أو فرض إرادته عليها.
يحتاج الابن إلى أن يعرف أن الحب لا يمنح أحد الطرفين حق امتلاك الآخر، وأن العلاقة الصحية تقوم على الثقة والاحترام والاختيار المتجدد، لا على الخوف والمنع والتهديد.
وتربية الرجل الصالح للزواج ليست مسؤولية الأم وحدها، فالأب له دوره، والمدرسة لها دور، والمجتمع له تأثيره، لكن البيت يظل المكان الأول الذي تتكون فيه صورة الطفل عن نفسه وعن الآخرين.
ولا نحتاج إلى أن نربي أبناءنا على أن يكونوا «رجالًا مثاليين»، فالمثالية نفسها قد تتحول إلى عبء.
نحن نحتاج إلى أن نربي رجلًا يعرف أنه قد يخطئ، لكنه لا يخجل من التعلم.
رجلًا يستطيع أن يختلف، لكنه لا يهين.
رجلًا يستطيع أن يغضب، لكنه لا يؤذي.
رجلًا يستطيع أن يحب، لكنه لا يمتلك.
رجلًا يستطيع أن يعطي، لكنه لا يمنّ.
رجلًا يعرف أن زوجته ليست مسؤولة عن إصلاح كل ما تعرض له في طفولته، ولا عن تعويض كل ما افتقده، ولا عن أن تكون قوية طوال الوقت حتى لا يضطر هو إلى مواجهة ضعفه.
في النهاية.. نحن نربي رجلًا سيأتمنه إنسان آخر على حياته
هناك امرأة لا نعرفها بعد، ستدخل يومًا إلى حياة ابننا.
ستراه في تفاصيل ربما لم ننتبه إليها نحن.
ستعرف هل يستطيع أن يستمع أم ينتظر دوره في الحديث.
ستعرف هل يعتذر عندما يخطئ أم يبحث عن مبررات.
ستعرف هل يرى تعبها أم يعتبر ما تفعله واجبًا مفروضًا عليها.
ستعرف هل يحترم اختلافها أم يحاول إعادة تشكيلها على صورته.
وستكتشف، ربما بعد الزواج بوقت قصير، أشياء كثيرة زرعناها فيه منذ كان طفلًا.
لذلك، عندما نربي ابنًا، نحن لا نربيه لحياته وحده.
نحن نربي رجلًا ستأتمنه امرأة يومًا ما على قلبها، وربما على عمرها، وربما على أطفالها.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا من: هل ابننا مستعد للزواج؟

السؤال الحقيقي هو:
هل ربيناه ليكون إنسانًا تستطيع امرأة أن تشعر معه بالأمان والاحترام والشراكة والحب؟
فالرجل الصالح للزواج لا تصنعه لحظة عقد القران، ولا ليلة الزفاف، ولا سنوات العمر وحدها.
إنما تصنعه تفاصيل صغيرة بدأت منذ كان طفلًا؛ كل مرة علمناه فيها أن القوة ليست في الانتصار على الآخر، وإنما في القدرة على العيش معه دون أن يؤذيه.
فإذا أردنا أن نطمئن إلى مستقبل أبنائنا في الزواج، فعلينا أن نبدأ من اليوم الذي كانوا فيه أطفالًا، وأن نعلمهم أن الرجولة الحقيقية ليست سلطة على الآخرين، وإنما مسؤولية، واحترام، ورحمة، ونضج.







