حسن النجار يكتب: كلمة الرئيس بين الجاهزية والمكاشفة ومعركة الوعي الوطني
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم | حسن النجار
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفال الدولة بذكرى المولد النبوي الشريف، محملة برسائل تتجاوز حدود المناسبة الدينية، لتلامس قضايا الأمن القومي، وأداء مؤسسات الدولة، وعلاقة المواطن بالمعلومة، ودور الإعلام في تشكيل الوعي العام.
فالمناسبات الدينية عادة ما تحمل طابعًا هادئًا وروحيًا، لكن الظروف التي تمر بها المنطقة فرضت على الكلمة أبعادًا أخرى، جعلت منها رسالة سياسية ومجتمعية في آن واحد؛ رسالة تؤكد استعداد الدولة لمواجهة التحديات، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام قدر أكبر من المصارحة بشأن ما تحقق وما لا يزال مطلوبًا.

الجاهزية.. عنوان أساسي لحماية الدولة
من أبرز الرسائل التي حملتها كلمة الرئيس التأكيد على قدرة القوات المسلحة المصرية واستعدادها لحماية الوطن ومقدراته، وهي رسالة تأتي في ظل مشهد إقليمي شديد الاضطراب، تتغير فيه الحسابات بصورة متسارعة.
لكن قراءة هذه الرسالة لا ينبغي أن ترتبط بفكرة التصعيد، بقدر ما تعكس مفهومًا واضحًا للأمن القومي يقوم على الاستعداد والردع وحماية المصالح المصرية.
فالدولة التي تمتلك القدرة على حماية حدودها ومقدراتها تكون أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط، كما أن امتلاك عناصر القوة لا يعني البحث عن المواجهة، وإنما يعني امتلاك القدرة على منع الآخرين من فرض خياراتهم.
ومن هنا تبدو المعادلة المصرية قائمة على الحفاظ على قوة الردع، مع التمسك في الوقت ذاته بسياسة متوازنة تحمي المصالح الوطنية، وتتجنب الانخراط في صراعات لا تخدم الأمن القومي المصري.
المكاشفة.. من لغة الإنجازات إلى لغة النتائج
وإذا كانت الرسالة الأولى موجهة إلى الخارج، فإن الرسالة الأخرى كانت أكثر اتصالًا بالداخل، وبالمواطن الذي يتابع تفاصيل الحياة اليومية ويبحث عن إجابات واضحة بشأن أداء الدولة وما تحقق خلال السنوات الماضية.
وتبرز هنا أهمية توجيه الرئيس بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات التي تحققت وعرضها على المواطنين، لأن عرض النتائج بصورة واضحة يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز ثقافة المصارحة والمساءلة المجتمعية.
فالمواطن لا يقيس أداء الدولة بعدد المشروعات التي يتم الإعلان عنها، وإنما بما يلمسه من أثر مباشر في حياته، سواء في الخدمات أو البنية الأساسية أو فرص العمل أو تحسين مستوى المعيشة.
ولهذا فإن تقديم كشف واضح بما تحقق، وما لم يكتمل، والتحديات التي واجهت التنفيذ، يمكن أن يجعل الحوار بين الدولة والمواطن أكثر واقعية، ويمنح المواطن فرصة أفضل لفهم الصورة الكاملة بدلًا من الاكتفاء بالعناوين العامة.
الشفافية ليست نقطة ضعف
المكاشفة الحقيقية لا تعني الحديث فقط عن النجاحات، وإنما تعني أيضًا الاعتراف بما يحتاج إلى استكمال أو تطوير.
وهنا تصبح الشفافية عنصرًا من عناصر قوة الدولة، لأنها تساعد على بناء الثقة، وتقلل من مساحة الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة، وتمنح المواطن فرصة للحكم على الأداء من خلال المعلومات والنتائج.
فالثقة لا تُفرض بخطاب، وإنما تُبنى بالتراكم؛ إنجاز واضح، ومعلومة دقيقة، ومسؤول قادر على تفسير القرار، ومواطن يشعر أن صوته وأسئلته محل اهتمام.

معركة الوعي تبدأ من المعلومة
أما الرسالة الأكثر ارتباطًا بالإعلام، فتتمثل في الحديث عن حالة الفوضى المعرفية التي أصبحت تفرض نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
المشكلة لم تعد فقط في سرعة انتشار الأخبار غير الدقيقة، وإنما في قدرة أي شخص على صناعة رواية كاملة، ووضع عنوان مثير لها، ثم نشرها خلال دقائق، قبل أن تصل المعلومة الموثقة إلى الجمهور.
وفي عالم تتحرك فيه المعلومة بهذه السرعة، فإن مواجهة الشائعة لا تكون فقط بنفيها، وإنما بتوفير المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للإعلام، الذي يجب ألا يتحول إلى مجرد ناقل لما تقوله المؤسسات، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يصبح أسيرًا لما يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي.
الإعلام المهني مطالب بأن يشرح القرار، ويضع الأحداث في سياقها، وينقل أسئلة المواطنين، ويبحث عن إجابات واضحة، ويمارس دوره في التدقيق والتحقق، مع الفصل بين النقد المشروع والشائعة، وبين الاختلاف في الرأي ومحاولات إثارة القلق.
الإعلام.. الجسر بين الدولة والمواطن
كلما اتسعت المسافة بين المواطن والمعلومة الموثقة، ظهرت مساحة أكبر للروايات البديلة.
ولهذا فإن الإعلام أمام مسؤولية حقيقية في المرحلة المقبلة، تتمثل في استعادة دوره كجسر بين الدولة والمجتمع، لا باعتباره طرفًا في صراع، وإنما باعتباره مؤسسة مهنية تسعى إلى تقديم الحقيقة وشرحها.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة «ماذا حدث»، وإنما يريد أن يعرف أيضًا: لماذا حدث؟ وما تأثيره؟ وما الخطوة التالية؟
وعندما يحصل المواطن على إجابات واضحة، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة الحقيقية والمحتوى المضلل، وأكثر قدرة على تكوين موقفه بعيدًا عن الانفعال أو التأثير اللحظي.
ثلاث رسائل في كلمة واحدة
عند قراءة كلمة الرئيس في سياقها الكامل، يمكن القول إن رسائلها الرئيسية تلتقي عند ثلاثة محاور مترابطة: جاهزية تحمي الدولة، ومكاشفة تشرح للمواطن، ووعي يحصّن المجتمع.
فالقوة وحدها لا تكفي، والمعلومة وحدها لا تكفي، والإعلام وحده لا يستطيع مواجهة كل التحديات، وإنما تحتاج الدولة إلى منظومة متكاملة تتكامل فيها القدرة مع الشفافية، والمعلومة مع المسؤولية، والإعلام مع الوعي.
والوعي الوطني لا يعني أن يتلقى المواطن المعلومات دون نقاش، وإنما يعني أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من الوصول إلى الحقيقة، وفهم الأحداث، وطرح الأسئلة، وتكوين رأيه على أساس معلومات موثوقة.

الخلاصة
ربما يكون التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة هو الوصول إلى معادلة واضحة: قوة تحمي، ومعلومة تشرح، وإعلام يدقق، ومواطن يعرف.
عند هذه النقطة تلتقي الجاهزية الخارجية بالمكاشفة الداخلية، ويتحول الوعي من مجرد شعار إلى ممارسة يومية.
فالدولة القوية ليست فقط دولة تمتلك أدوات القوة، وإنما دولة تستطيع أن تشرح قراراتها لمواطنيها، وتقدم لهم الحقائق، وتواجه الشائعات بالمعلومة، وتمنح الإعلام مساحة للقيام بدوره المهني.
وفي النهاية، تظل الحقيقة هي نقطة الالتقاء بين الأمن والوعي؛ فالقوة تحمي الوطن، والمعلومة تحمي وعي المواطن، والإعلام المهني يربط بين الاثنين.







