بقلم – حسن النجار – الجميزة ذاكرة مصر الخضراء وحكايات الأجيال
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم | حسن النجار
ليست الأشجار مجرد أغصان تمتد نحو السماء، أو ظلال نستظل بها من حرارة الشمس، بل هي ذاكرة حية تختزن حكايات الإنسان، وتحفظ ملامح الأماكن،
وتربط الماضي بالحاضر في صمت مهيب. وربما لا ندرك قيمة الشجرة إلا حين نعود إلى مكان ألفناه في طفولتنا، فلا نجدها، فنشعر وكأن جزءًا من أعمارنا قد اختفى مع غيابها.
لا أعرف على وجه الدقة إن كان الحنين يسكننا إلى الأشخاص الذين غادروا حياتنا، أم إلى الأماكن التي جمعتنا بهم، أم إلى الأشجار التي وقفت طويلًا شاهدة على خطواتنا وأحاديثنا ومشاعرنا الأولى.
فكم من شجرة ارتبطت في ذاكرتنا بطفولة بريئة، أو صداقة صادقة، أو لحظة حب لم تكررها الأيام! وكم من مكان تغيرت ملامحه، لكنه ظل في وجداننا محتفظًا بصورة قديمة لا تمحوها السنوات.
في طفولتنا، كانت الأشجار جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ شجرة في فناء المنزل، وأخرى أمام المدرسة، وثالثة على الطريق المؤدي إلى بيت الجدة. كنا نعرف مواسمها، ونترقب ثمارها،
ونراقب أوراقها وهي تتبدل مع الفصول، وكأنها ساعة طبيعية تخبرنا بمرور الزمن. وتحت ظلالها لعبنا واختلفنا وتصالحنا، دون أن ندرك أن تلك اللحظات البسيطة ستصبح يومًا من أثمن ما نحتفظ به في ذاكرتنا.
ومع سنوات المراهقة، اكتسبت الأشجار معنى أكثر عمقًا؛ فقد شهدت البدايات الأولى للحب، ورسائل المشاعر الخجولة، وانتظار اللقاءات التي كانت دقائقها تبدو أطول من الزمن نفسه. كانت جذوعها الصامتة ملاذًا للأسرار، وظلالها مساحة آمنة لأحلام لم نكن نجرؤ على البوح بها.
وربما لهذا تخيلنا أن الأشجار تعرف عن الحب أكثر مما نعرف، لأنها تمنح دون مقابل، وتظل واقفة في مكانها، حتى بعدما يرحل الذين اعتادوا الجلوس تحت أغصانها.
ومع النضج، تتسع النظرة إلى الأشجار، فلا تعود مجرد عناصر جمالية في الشوارع والحدائق، بل تتحول إلى شواهد على تاريخ المجتمعات وتحولات العمران وتغير أحوال الناس. وفي مصر، ارتبطت الأشجار بحياة الفلاحين والمسافرين وسكان القرى والمدن، وشهدت على بيوت اندثرت،
ووجوه غابت، وأغانٍ تغيرت، وأجيال تعاقبت. وبينما تتبدل ملامح المكان بفعل الزمن، تظل الأشجار القديمة سجلًا طبيعيًا لذاكرة لا تحفظها الوثائق وحدها.
ولا يقتصر سر الأشجار على قيمتها الجمالية والوجدانية، فالعلم الحديث يكشف جوانب مدهشة من العلاقات التي تربط النباتات بعضها ببعض. إذ تستطيع الأشجار والنباتات، عبر شبكات الجذور والفطريات المرتبطة بها، تبادل بعض الموارد والإشارات الكيميائية، وقد تسهم هذه الشبكات في استجابتها للضغوط البيئية.
وهي علاقات معقدة لا تزال موضع دراسة علمية، لكنها تفتح أمامنا نافذة للتأمل في الترابط بين الكائنات الحية، وفي أهمية الحفاظ على التوازن الطبيعي الذي تقوم عليه الحياة.
من هنا، تكتسب مبادرة سامية زيتون وجمعية محبي الأشجار لاختيار شجرة الجميز شجرةً وطنيةً لمصر أهمية تتجاوز فكرة اختيار رمز نباتي للبلاد. إنها دعوة لاستعادة علاقة المصريين بأشجارهم،
والالتفات إلى ما تمثله من قيمة بيئية وتاريخية وثقافية، في وقت تتراجع فيه المساحات الخضراء أمام التوسع العمراني، وتصبح حماية الأشجار مسؤولية تتطلب وعيًا مجتمعيًا وإرادة حقيقية.
وتستحق سامية زيتون وجمعية محبي الأشجار التحية على هذه المبادرة التي تطرح سؤالًا مهمًا: كيف نحافظ على ذاكرتنا الخضراء، وننقلها إلى الأجيال القادمة؟ فالأشجار ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها،

بل ضرورة بيئية تسهم في تحسين جودة الهواء، وتوفير الظل، ودعم التنوع الحيوي، وتخفيف آثار الحرارة، فضلًا عن دورها في تشكيل الهوية البصرية والوجدانية للأماكن.
أما شجرة الجميز، بما تحمله من حضور راسخ في البيئة المصرية وذاكرتها الشعبية، فإن اختيارها شجرةً وطنيةً يمكن أن يكون مناسبة لإحياء الاهتمام بالأشجار المحلية، وتشجيع زراعتها ورعايتها،
وربط الأجيال الجديدة بتراثها الطبيعي. غير أن قيمة أي مبادرة من هذا النوع لا تتوقف عند الإعلان عنها، بل تتجسد في قدرتها على تحويل الفكرة إلى برامج للتشجير والحماية والتوعية، تضمن بقاء الأشجار ونموها واستمرار أثرها.
إن مصر التي عرفت الزراعة منذ فجر التاريخ، وارتبطت أرضها بالنيل والحقول والحدائق، تستحق أن تحافظ على نصيبها من الخضرة، وأن تجعل حماية الأشجار جزءًا من رؤيتها للمستقبل. فالتقدم لا يُقاس بما نشيده من مبانٍ وطرق فحسب، بل أيضًا بما نحافظ عليه من طبيعة وموارد وذاكرة إنسانية.
وفي النهاية، ليست الجميزة مجرد شجرة يمكن أن تحمل لقبًا وطنيًا، بل يمكن أن تصبح رمزًا لمعنى أعمق: مصر التي تضرب جذورها في التاريخ، وتمنح أبناءها الظل والعطاء، وتواجه تقلبات الزمن بالصبر والثبات. وإذا كانت الأشجار تحفظ بعض حكاياتنا في جذوعها وظلالها،
فإن مسؤوليتنا أن نحفظها نحن من الإهمال والاقتلاع، حتى لا يأتي يوم يبحث فيه أبناؤنا عن شجرة عرفها آباؤهم، فلا يجدون منها سوى حكاية بعيدة.
تحية لكل من يزرع شجرة، ويحمي ظلًا، ويؤمن بأن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالأسمنت وحده، بل يحتاج أيضًا إلى جذور راسخة، وبيئة سليمة، وذاكرة خضراء لا تموت.








