بقلم حسن النجارحسن النجار يكتب

حسن النجار يكتب: الثانوية العامة بداية الحلم وليست نهاية طريق النجاح

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية

حسن النجار – يكتب 

مع إسدال الستار على ماراثون الثانوية العامة، تهدأ الأصوات التي ملأت البيوت قلقًا، وتتراجع دقات القلوب التي تسارعت انتظارًا للحظة إعلان النتائج. تتصدر الأرقام المشهد، ويظن كثيرون أنها الكلمة الأخيرة في رسم مستقبل الأبناء،

بينما تغيب حقيقة أكثر عمقًا وأبقى أثرًا، وهي أن الثانوية العامة ليست نهاية الطريق، وإنما أول خطوة في رحلة طويلة عنوانها الاجتهاد والإرادة وصناعة المستقبل.

لقد ترسخت في أذهان أجيال متعاقبة فكرة أن قيمة الإنسان تُختزل في مجموع درجاته، حتى أصبح البعض ينظر إلى النتيجة وكأنها الحكم النهائي على النجاح أو الفشل. غير أن الواقع، والتجارب،

وسير العظماء، تؤكد أن الحياة لا تُدار بمنطق الأرقام وحدها، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما كُتب في ورقة امتحان، وإنما بما يصنعه الإنسان بعد ذلك من إنجازات وعطاء.

كم من طالب لم يحصد المجموع الذي كان يحلم به، لكنه امتلك عزيمة لا تعرف الانكسار، فشق طريقه بإصرار حتى أصبح من أصحاب الإنجازات والريادة في مجاله. وفي المقابل، كم من صاحب مجموع مرتفع توقف عند حدود الدرجة، ولم يحول تفوقه الدراسي إلى نجاح حقيقي في الحياة.

إن القمة ليست كلية بعينها، ولا لقبًا أكاديميًا، ولا رقمًا في تنسيق الجامعات، وإنما هي حالة يصنعها الإنسان بعلمه، وأخلاقه، واجتهاده،

وإيمانه بقدراته. فليست هناك كلية تحتكر النجاح، ولا أخرى تحكم على أصحابها بالبقاء في الصفوف الخلفية؛ فالقيمة الحقيقية دائمًا تكمن في الإنسان، لا في اسم المؤسسة التي يدرس بها.

التاريخ يشهد بأن المبدعين خرجوا من تخصصات مختلفة، وأن كثيرًا من أصحاب البصمات المؤثرة لم تبدأ رحلتهم من الكليات التي يصفها البعض بـ”كليات القمة”، وإنما صنعوا قممهم بأيديهم، وحولوا الفرص البسيطة إلى إنجازات عظيمة، لأنهم آمنوا بأن التفوق قرار، وليس مجرد نتيجة.

إن المتميز هو من يحول الإمكانات المتاحة إلى فرص، ويجعل من تخصصه منصة للإبداع، ويبحث عن التميز حيث يراه الآخرون طريقًا عاديًا. فالنجاح لا يعرف أسماء الكليات، بل يعرف أصحاب العزيمة الذين لا يتوقفون عن التعلم والتطوير والعمل.

إلى أبنائنا وبناتنا الناجحين، وإلى من لم يحالفهم الحظ في الوصول إلى ما تمنوه، أقول: لا تجعلوا المجموع نهاية الأحلام، ولا تسمحوا لرقم أن يقيد طموحكم. فما زالت أمامكم طرق واسعة، وأبواب كثيرة، وفرص لا حصر لها لمن يملك الإرادة والشغف والإصرار.

افتحوا نوافذ الأمل، ووسعوا دوائر الطموح، ولا تقيسوا مستقبلكم بدرجات اليوم، فالغد يكتبه العمل، وتصنعه المثابرة، ويمنحه الله لمن يجتهد ويؤمن بنفسه.

وتذكروا دائمًا أن النجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى كلية بعينها، بل أن تصل إلى أفضل نسخة من نفسك، وأن تترك أثرًا نافعًا في مجتمعك ووطنك.

فالمستقبل لا ينتظر أصحاب المجاميع فقط، بل يفتح أبوابه لكل من يمتلك حلمًا صادقًا، وعملًا متواصلًا، وإيمانًا بأن السماء تتسع لكل من يملك أجنحة الشغف، والإصرار، والإبداع.

حسن النجار يكتب الثانوية العامة بداية الحلم وليست نهاية طريق النجاح
حسن النجار يكتب الثانوية العامة بداية الحلم وليست نهاية طريق النجاح

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى