بقلم حسن النجار.. دعم السعودية بين الأمن القومي وحق المواطن في المعرفة
حسن النجار كاتب صحفي ومفكر سياسي ورئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» يهتم بتحليل القضايا السياسية والاستراتيجية والشؤون الدولية والعلاقات العربية

بقلم: حسن النجار
يظل الموقف المصري الداعم للمملكة العربية السعودية مرتبطًا باعتبارات الأمن القومي العربي والمصالح الاستراتيجية المشتركة، غير أن أهمية هذا الموقف تستوجب شرحًا واضحًا للرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر باحتمالات المشاركة العسكرية خارج الحدود.
فكلما اقترب القرار من تحمل التزامات عسكرية، ازدادت الحاجة إلى توضيح دوافعه وأهدافه وحدوده، بما يضمن للمواطن فهم أبعاده السياسية والاقتصادية والإنسانية.

إن تساؤل المصريين عن سلامة الجنود، وتكلفة أي تحرك عسكري، وانعكاساته على الأوضاع الداخلية، ليس اعتراضًا على دعم الأشقاء، بل تعبير عن حق أصيل في معرفة ما يترتب على القرارات المصيرية.
فالمساندة الشعبية الحقيقية لا تقوم على الشعارات وحدها، وإنما تستند إلى المعلومات الواضحة والثقة في قدرة الدولة على إدارة التحديات وحماية مصالحها.
تبدأ ضرورة التوضيح من شرح العلاقة بين أمن المملكة العربية السعودية وأمن مصر، فاستقرار منطقة الخليج والبحر الأحمر يؤثر بصورة مباشرة في حركة التجارة الدولية، ومصالح قناة السويس، وأسواق الطاقة، فضلًا عن أوضاع ملايين المصريين العاملين في دول المنطقة.
ومن هنا، فإن مفهوم الأمن القومي العربي يحتاج إلى ترجمة عملية توضح للمواطن كيف يمكن لأي اضطراب إقليمي أن ينعكس على الاقتصاد المصري ومستوى المعيشة والاستقرار.
وعندما يدرك المواطن طبيعة هذه المصالح، يصبح دعم السعودية مفهومًا في إطار حماية المصالح المصرية وتعزيز الشراكة العربية، وليس مجرد استجابة لتطورات خارجية.
لا ينبغي أن يقتصر النقاش على مخاطر المشاركة العسكرية المحتملة، بل يجب أن يشمل أيضًا تكلفة استمرار التوتر وتداعيات ترك الأوضاع تتدهور. فالتصعيد الإقليمي قد يهدد الملاحة والتجارة ومصالح الدول العربية، بينما قد تترتب على أي تحرك عسكري مخاطر بشرية واقتصادية وسياسية تستوجب التقدير الدقيق.
ومن مسؤولية الحكومة أن توضح الأسس التي تستند إليها في المفاضلة بين البدائل المتاحة، ومدى توافق الخيار المطروح مع المصالح المصرية،
والإجراءات التي تضمن تقليل المخاطر وحماية القوات المشاركة. فإقناع الرأي العام لا يتحقق بتجاهل الأسئلة الصعبة، وإنما بتقديم إجابات واضحة تستند إلى منطق القرار وحساباته.

ويبرز هنا سؤال جوهري بشأن توقيت الاستعداد لتقديم دعم عسكري محتمل: ما التطورات التي جعلت هذا الخيار مطروحًا في المرحلة الحالية؟ وما الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلاله؟ وإلى أي مدى يمكن أن يسهم في احتواء التصعيد وحماية المصالح المشتركة؟
ومن المهم التمييز بين إعلان الاستعداد للمساندة، والحصول على تفويض سياسي، واتخاذ قرار فعلي بتنفيذ مهمة عسكرية؛ فلكل مرحلة طبيعتها القانونية والسياسية وتداعياتها المختلفة.
كذلك، يحتاج الرأي العام إلى معرفة الهدف السياسي العام لأي مشاركة محتملة، ونطاقها الجغرافي، والضوابط التي تمنع تحولها إلى التزام مفتوح.
ويمكن توضيح الفارق بين دعم حماية الأراضي والمنشآت السعودية وبين الانخراط في عمليات عسكرية ممتدة داخل اليمن، دون الكشف عن تفاصيل عملياتية قد تمس اعتبارات الأمن القومي.
إن وضوح الأهداف وحدود الالتزام يمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم جدوى أي تحرك، ويمنح المواطنين فرصة لفهم القرار بعيدًا عن التأويلات المتباينة والشائعات.
وتكشف المواقف الحزبية المتباينة بشأن التفويض عن أهمية توفير المعلومات اللازمة للنقاش العام؛ إذ أيد حزب الوفد التفويض، مع التشديد على وضوح الأهداف وحماية الجنود وتجنب الصراعات المفتوحة،
بينما أعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي توجيه نوابه إلى الامتناع، استنادًا إلى تحفظات تتعلق بنقص المعلومات والتكلفة والمخاطر، مع التأكيد على التضامن مع المملكة العربية السعودية.
ويعكس هذا الاختلاف مساحة طبيعية للنقاش السياسي، لكنه يطرح في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات مؤسسية واضحة، بعيدًا عن التخوين أو اختزال المواقف في ثنائية التأييد والرفض.
إن دعم السعودية والحفاظ على المصالح المصرية ليسا مسارين متعارضين، بل يتطلبان سياسة متوازنة تجمع بين التضامن العربي والحسابات الوطنية الدقيقة. وكلما كانت أهداف التحرك واضحة، وحدوده محددة، ومخاطره مقدرة، أصبحت فرص بناء موقف شعبي واعٍ أكثر قوة واستقرارًا.
وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، بل أيضًا بقدرتها على شرحها للمواطنين، وتوضيح دوافعها ونتائجها المحتملة. فالمعرفة تعزز الثقة، والشفافية المسؤولة تدعم التماسك الوطني، والحوار الجاد يتيح للمجتمع فهم التحديات الإقليمية دون تهوين من مخاطرها أو مبالغة في تقديرها.








